الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة الأثر غير المتكافئ للإجراءات الجنائية المرتبطة بجرائم النشر والتعبير الرقمي على الصحفيات وصانعات المحتوى في مصر. ولا تنطلق الورقة من فرضية أن كل قيد على النشر يصيب النساء وحدهن، أو أن النساء ينبغي أن يكن خارج نطاق المساءلة القانونية. تنطلق، بدلًا من ذلك، من سؤال أكثر تحديدًا: كيف تعمل العقوبة الجنائية، عندما تُطبق داخل بيئة اجتماعية ومهنية واقتصادية غير متكافئة، على إنتاج كلفة أشد أو مختلفة بالنسبة إلى النساء اللاتي يشاركن في المجال العام عبر الصحافة أو المنصات الرقمية؟
تظهر الإشكالية بوضوح في التداخل بين ثلاث دوائر. الدائرة الأولى قانونية، وتتعلق باستمرار وجود نصوص تسمح بالحبس أو التهديد به في سياقات النشر أو التعبير الرقمي، أو تسمح بإعادة توصيف فعل النشر تحت اتهامات أوسع مثل إساءة استخدام وسائل التواصل، نشر أخبار كاذبة، الاعتداء على القيم الأسرية، أو خدش الحياء. الدائرة الثانية إجرائية، وترتبط بالقبض، والتحقيق، والحبس الاحتياطي، والتحفظ على الأجهزة، وفحص الحسابات، والمنع من السفر، وطول أمد التقاضي، وهي إجراءات قد تتحول إلى عقوبة فعلية حتى قبل أي حكم نهائي. أما الدائرة الثالثة فهي اجتماعية وجندرية، وتتمثل في الوصم، والتشهير، والضغط الأسري، والعنف الرقمي، والتهديدات ذات الطابع الجنسي أو الأخلاقي، وخسارة الدخل أو السمعة المهنية.
ترى الورقة أن أثر العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر ليس محايدًا جندريًا لمجرد أن النصوص القانونية لا تذكر النساء صراحة. فالحياد الظاهري للنص قد يخفي أثرًا غير متكافئ عندما تُقرأ عبارات مثل القيم الأسرية والحياء العام والآداب العامة في ضوء صور نمطية أشد صرامة تجاه النساء. ويظهر ذلك خصوصًا في قضايا صانعات المحتوى، حيث تُربط لغة المرأة ومظهرها وطريقة ظهورها وحياتها الخاصة بتقييم قانوني وأخلاقي للمحتوى المنشور. كما يظهر في قضايا الصحفيات عندما يؤدي خطر الملاحقة إلى استبعادهن من موضوعات سياسية أو استقصائية أو حساسة، أو إلى تحميلهن وحدهن كلفة التشهير والتهديد خارج الحماية المؤسسية.
وتميز الورقة بين الصحفيات وصانعات المحتوى. فالصحفية العاملة داخل مؤسسة قد تستفيد من غطاء قانوني أو نقابي أو مهني، وإن كان هذا الغطاء غير مضمون دائمًا. أما الصحفية المستقلة أو العاملة في منصة صغيرة، فتواجه هشاشة أكبر في التعاقد والدخل والحماية. وصانعة المحتوى الفردية قد تكون أكثر عرضة للربط بين الحساب الشخصي والهوية الاجتماعية والحياة الخاصة، وأكثر تعرضًا لخسارة الإعلانات والتعاونات التجارية والجمهور، وأقل قدرة على الوصول إلى محامٍ أو دعم نقابي أو معرفة قانونية مبكرة.
تخلص الورقة إلى أن معالجة الأثر الجندري غير المتكافئ تتطلب إصلاحًا يتجاوز إلغاء الحبس في جرائم النشر، رغم مركزية هذا الإصلاح. فالمطلوب أيضًا تضييق النصوص الأخلاقية الفضفاضة، وإدخال تقييم للأثر الجندري عند صياغة قوانين الإعلام والجرائم الإلكترونية، والحد من الحبس الاحتياطي في قضايا التعبير، وحماية الحياة الخاصة والبيانات أثناء التحقيق، ومنع التغطية الإعلامية الوصمية، وتوفير مساعدة قانونية ونفسية ورقمية مبكرة، وبناء سياسات مؤسسية ونقابية تحمي الصحفيات المستقلات وصانعات المحتوى من العنف الرقمي والاقتصادي والاجتماعي المصاحب للملاحقة الجنائية.
مقدمة
لا تعمل العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر داخل فراغ قانوني مجرد. فهي تدخل إلى واقع اجتماعي تُراقب فيه مشاركة النساء في المجال العام بدرجة أعلى، ويُحاسبن فيه غالبًا لا على مضمون القول فقط، بل على طريقة الظهور، واللغة، والملبس، والعلاقات، والسمعة، وما إذا كان حضورهن العام متوافقًا مع تصور محافظ أو أبوي لدور النساء. لذلك فإن تحليل عقوبة الحبس بوصفها مسألة دستورية أو جنائية عامة يظل ناقصًا إذا لم يسأل عن الأشخاص الذين يدفعون الكلفة الأكبر عند تطبيقها.
وتركز الورقة على الصحفيات وصانعات المحتوى في مصر لأنهما فئتان تقفان عند نقطة التقاء حساسة بين حرية التعبير، والعمل الإعلامي، والاقتصاد الرقمي، والرقابة الاجتماعية على النساء. فالصحفية تحتاج إلى الظهور، وبناء المصادر، وطرح الأسئلة، ونشر المعلومات، ومساءلة السلطة أو المجتمع أو أصحاب النفوذ. وصانعة المحتوى تحتاج إلى حساب عام، وجمهور، وتفاعل، وصورة أو صوت أو أسلوب خاص يميز حضورها. في الحالتين، يصبح الوجود العام نفسه مصدر خطر إذا كانت الملاحقة الجنائية قادرة على تحويل الاختلاف أو النقد أو المحتوى الاجتماعي إلى قضية تمس السمعة أو القيم أو الأمن أو النظام العام.
لا تقدم الورقة دراسة عامة عن إلغاء الحبس في جرائم النشر، ولا حصرًا شاملًا للنصوص المنظمة للصحافة والإعلام والإنترنت. تستخدم الخلفية القانونية فقط بقدر ما يساعد على فهم الأثر الجندري غير المتكافئ. لذلك تركز على النصوص والمفاهيم التي تسمح بالحبس أو التهديد به، أو تستخدم عبارات أخلاقية واجتماعية فضفاضة، أو تتيح إعادة توصيف فعل النشر باعتباره فعلًا جنائيًا آخر. كما تميز بين الصحفيات العاملات داخل مؤسسات، والصحفيات المستقلات، والمراسلات والمصورات والاستقصائيات، وبين صانعات المحتوى اللاتي يعملن منفردات ويعتمدن على الحساب الشخصي والدخل الرقمي.
وتعتمد الورقة على تحليل قانوني موجه لنصوص مختارة، أهمها المادة 71 من الدستور المصري، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، وبعض نصوص قانون العقوبات ذات الصلة بالعلانية والسمعة والآداب. كم تعتمد على تحليل جندري يستخدم مفاهيم التمييز غير المباشر، والأثر غير المتكافئ، والحياد الظاهري للنص، والصور النمطية، والتقاطعية. وتحلل الأثر العملي للملاحقة على الحرية الشخصية، والسلامة النفسية، والسمعة، والعمل والدخل، والحياة الأسرية، وتستخدم حالات موثقة بوصفها مؤشرات على نمط أوسع لا بوصفها محورًا سرديًا للورقة. وأخيرا، تسلط الورقة الضوء على المعايير الدولية والتجارب المقارنة في حدود ما يلزم لاستخلاص بدائل سياسية قابلة للتطبيق.
ما المقصود بالأثر الجندري غير المتكافئ؟
يقصد بالأثر الجندري غير المتكافئ أن يؤدي نص أو إجراء أو ممارسة تبدو عامة ومحايدة في صياغتها إلى نتائج أشد قسوة أو مختلفة في طبيعتها على النساء مقارنة بالرجال، بسبب السياق الاجتماعي والاقتصادي والمهني الذي يطبق فيه النص. لا يشترط، إذن، أن يقول القانون صراحة إن النساء يخضعن لمعاملة أدنى حتى نكون أمام مشكلة تمييزية. قد تكون المشكلة في أن المعيار القانوني نفسه واسع أو غامض، وأن الجهات التي تفسره أو المجتمع الذي يضغط لتطبيقه يحملان توقعات أكثر تشددًا تجاه النساء.
في جرائم النشر، يظهر هذا الأثر عندما يصبح معيار العلانية أو القيم أو الحياء محملًا بتصورات جندرية. فالمجتمع قد يتسامح مع حضور رجل ساخر أو حاد أو مثير للجدل، لكنه يقرأ حضور المرأة بالطريقة نفسها بوصفه خروجًا على الحياء أو الأسرة أو الدور المتوقع للنساء. والقانون، إذا استخدم مفاهيم غير محددة، قد يتحول إلى قناة رسمية لترجمة هذا التقييم الاجتماعي إلى اتهام جنائي. هنا لا يكون التمييز في النص وحده، بل في التفسير والتطبيق والأثر المتراكم.
يفيد مفهوم التمييز غير المباشر في كشف هذه الآلية. فالنص قد يقرر قاعدة واحدة للجميع، مثل حظر نشر ما يمس القيم الأسرية أو الآداب العامة، لكنه لا يحدد معيارًا دقيقًا لماهية هذه القيم أو الآداب. عند التطبيق، تصبح الأجساد النسائية، والصوت النسائي، والمحتوى المتعلق بالجنس أو الأسرة أو العنف أو العلاقات، أكثر قابلية للإدراج تحت هذه العبارات. وهكذا تنتقل المشكلة من مجرد قيد على التعبير إلى أداة لإعادة إنتاج الرقابة الاجتماعية على النساء.
يمتد الأثر غير المتكافئ كذلك إلى مرحلة ما قبل العقوبة. فمجرد فتح بلاغ أو تداول اسم امرأة في قضية نشر قد يطلق سلسلة من الأضرار: تعليقات مهينة، تشكيك في الأخلاق، ضغط من الأسرة، إلغاء تعاقدات، حذف محتوى، تهديدات بنشر بيانات أو صور، وفقدان مصادر مهنية. وقد تستمر هذه الأضرار بعد البراءة أو انتهاء القضية، لأن الوصم الاجتماعي لا يزول بالضرورة مع زوال الاتهام القانوني.
وتبرز أهمية المنظور التقاطعي لأن النساء لسن فئة واحدة. فالصحفية ذات العقد الثابت في مؤسسة كبيرة لا تواجه المخاطر نفسها التي تواجهها صحفية مستقلة. وصانعة المحتوى ذات الموارد المالية والخبرة القانونية ليست في وضع مماثل لشابة من محافظة بعيدة تعتمد على إعلانات محدودة ولا تملك شبكة دعم. لذلك لا يكفي القول إن النساء يتأثرن أكثر؛ بل يجب السؤال: أي نساء، وفي أي مجال، وبأي موارد، وتحت أي درجة من الوصم أو الحماية؟
كيف تعمل العقوبات السالبة للحرية بصورة مضاعفة على النساء؟
تعمل العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر على مستويين متداخلين. المستوى الأول قانوني مباشر: القبض، التحقيق، الحبس الاحتياطي، الحكم، الغرامة، التدابير الاحترازية، أو تقييد السفر والحركة. والمستوى الثاني اجتماعي موازٍ: التشهير، الوصم، الضغط الأسري، العنف الرقمي، خسارة العمل، وانكماش الحضور العام. بالنسبة إلى الصحفيات وصانعات المحتوى، قد يكون المستوى الثاني أوسع زمنًا وأشد التصاقًا بالهوية والحياة اليومية من العقوبة الرسمية نفسها.
يتحول الحبس، أو حتى احتماله، إلى رسالة اجتماعية مفادها أن المرأة التي تتكلم علنًا قد تدفع ثمنًا يتجاوز حدود القضية. فالبلاغ لا يطال المحتوى وحده، بل يفتح بابًا لتفتيش رمزي في السلوك والملبس والعلاقات والنية. وإذا كان الاتهام متعلقًا بالقيم أو الآداب، تتسع مساحة التعليق العام على شخصية المرأة نفسها. وهذا يختلف عن أثر الاتهام على كثير من الرجال، حيث يظل النقاش غالبًا مرتبطًا بالموقف السياسي أو المهني أو القانوني، بينما يُعاد تأطير قضية المرأة باعتبارها دليلًا على فساد أخلاقي أو خروج عن الدور الاجتماعي المتوقع.
لا تبدأ العقوبة المضاعفة عند صدور حكم بالحبس. تبدأ عند لحظة القبض أو الاستدعاء أو نشر الخبر الأول. فالصحفية قد تفقد مصدرًا كان يتواصل معها، أو يتردد محرر في نشر موادها، أو ترفض المؤسسة تجديد عقدها تجنبًا للخطر. وصانعة المحتوى قد تفقد معلنًا، أو تتعرض لحملة إبلاغ جماعي، أو تضطر إلى حذف محتوى سابق، أو تغلق حسابها مؤقتًا لحماية نفسها وأسرتها. وفي بيئة تعتمد فيها منصات كثيرة على الخوارزميات والسمعة الرقمية، قد يكون الانقطاع القصير كافيًا لتقليص الوصول والدخل.
تشتد هذه الكلفة عندما تتداخل الملاحقة مع عنف رقمي ذي طابع جنسي أو أخلاقي. فالهجوم لا يكتفي غالبًا بالقول إن المحتوى مخالف، بل يذهب إلى الإهانة الجنسية، والتهديد بالاعتداء، ونشر الصور، وتلفيق علاقات، وابتزاز الأسرة أو جهة العمل. وبذلك تتحول الإجراءات الجنائية إلى إشارة يستغلها مهاجمون آخرون لإضفاء شرعية على الاعتداء الاجتماعي والرقمي. وهذا يضع الدولة أمام مسؤولية مزدوجة: ألا تستخدم نصوصًا فضفاضة تنتج أثرًا تمييزيًا، وأن توفر حماية فعالة من العنف الخاص الذي يرافق الملاحقة.
لا يعني ذلك أن كل مساءلة قانونية للنساء تمييزية. المساءلة المشروعة ممكنة عندما تكون القاعدة واضحة، والغاية محددة، والإجراء متناسبًا، والحماية من الوصم مكفولة، وحق الدفاع مضمونًا. المشكلة تكمن في الحبس والنصوص الفضفاضة والإجراءات الممتدة حين تعمل داخل بنية اجتماعية تجعل جسد المرأة وسمعتها وأمانها الرقمي جزءًا من ساحة العقاب.
النصوص الأخلاقية والاجتماعية بوصفها مدخلًا للأثر غير المتكافئ
تمثل العبارات الأخلاقية والاجتماعية الفضفاضة مدخلًا رئيسيًا للأثر الجندري غير المتكافئ. فالمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تعاقب، ضمن أمور أخرى، على الاعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري. وتسمح المادة 27 بالعقاب على إنشاء أو إدارة أو استخدام موقع أو حساب يهدف إلى ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونًا. هذه النصوص لا تذكر النساء، لكنها تستخدم مفاهيم تجعل التطبيق الجندري محتملًا بقوة إذا لم تُضبط بمعايير دقيقة.
تظهر المشكلة خصوصًا في عبارة القيم الأسرية. فالقيم الأسرية قد تُستخدم لحماية مصالح مشروعة، مثل حماية الخصوصية أو منع الاستغلال أو حماية الأطفال. لكنها قد تتحول، من دون تعريف محدد، إلى أداة لتقييم أسلوب حياة النساء ومظهرهن وطريقة كلامهن. عندما تصبح الشهرة الرقمية للمرأة أو رقصها أو لغتها أو حديثها عن الجسد أو العلاقات دليلًا على المساس بالقيم، ينتقل القانون من حماية حق محدد إلى مراقبة اجتماعية لسلوك النساء.
الأمر نفسه ينطبق على الحياء العام والآداب العامة. هذه المفاهيم قد تكون جزءًا من أنظمة قانونية مختلفة، لكنها تحتاج إلى ضبط شديد لأنها تتأثر بالتحيزات الاجتماعية. ففي السياق الجندري، لا تقاس السمعة غالبًا بمعيار واحد. سمعة المرأة تُربط بسلوكها الخاص وبمظهرها وامتثالها لأدوار الأسرة، بينما تُقرأ سمعة الرجل في المجال العام غالبًا من زاوية النزاهة أو الكفاءة أو الموقف. لذلك فإن إدراج جرائم النشر ضمن عبارات مثل الاعتداء على القيم الأسرية أو خدش الحياء قد ينتج أثرًا أشد على النساء، خصوصًا إذا اقترن بتغطية إعلامية وصمية.
يضاف إلى ذلك قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، الذي يمد بعض الالتزامات إلى المواقع الشخصية والمدونات والحسابات التي يتجاوز متابعوها خمسة آلاف متابع. هذا الامتداد مهم بالنسبة إلى صانعات المحتوى، لأن الحساب الشخصي قد يصبح، بحكم عدد المتابعين، موضوعًا لرقابة تنظيمية تشبه رقابة الوسائل الإعلامية، من دون أن تحصل صاحبته على الحماية المهنية أو القانونية التي تتمتع بها مؤسسة إعلامية. وكلما كان الحساب مرتبطًا بالاسم والصورة والحياة اليومية، زادت قابلية الخلط بين المحتوى العام والهوية الشخصية.
تؤكد المعايير الدولية أن القيود على التعبير يجب أن تكون منصوصًا عليها بقانون واضح، وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع غاية مشروعة. ومن منظور سيداو، لا يكفي أن تكون القاعدة محايدة شكليًا؛ إذ يقع على الدولة واجب منع النتائج التمييزية، بما في ذلك تلك التي تنشأ عن ممارسات خاصة أو صور نمطية متجذرة.
الأثر غير المتكافئ على الصحفيات
تواجه الصحفيات أثرًا خاصًا للعقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر لأن عملهن يقوم بطبيعته على إنتاج معلومات أو أسئلة أو سرديات قد تزعج السلطة أو أصحاب النفوذ أو قطاعات اجتماعية محافظة. غير أن هذا الخطر لا يتوزع بالتساوي داخل المهنة. فالصحفية العاملة في مؤسسة كبيرة قد تملك قدرًا من الدعم القانوني، أو قدرة على التفاوض حول تغطية القضية، أو حماية مصدرها المهني. لكن هذا الدعم قد يتراجع فور تحول القضية إلى عبء على المؤسسة، خاصة إذا ارتبطت بالسمعة أو الأمن أو قضايا اجتماعية حساسة. أما الصحفية المستقلة فتواجه الخطر غالبًا باسمها الشخصي وبمواردها المحدودة.
يؤدي خطر العقوبات السالبة للحرية إلى آثار مهنية قبل أي حكم. فقد تتردد المؤسسات في تكليف صحفيات بملفات سياسية أو أمنية أو استقصائية خشية تعرضهن لملاحقة أو حملة تشهير. وقد تُدفع الصحفيات إلى تغطيات أقل حساسية، ليس لأنهن أقل كفاءة، بل لأن تكلفة حمايتهن المؤسسية تبدو أعلى في نظر الإدارة. بهذا المعنى، لا يقتصر أثر التجريم على من تتعرض للقضية، بل يمتد إلى توزيع العمل داخل غرف الأخبار، وإلى فرص التقدم المهني، والوصول إلى المصادر، وبناء السمعة المهنية.
تتأثر الصحفيات أيضًا بطريقة مختلفة بسبب طبيعة الهجوم المصاحب. فالصحفي الذي ينشر تحقيقًا حساسًا قد يتعرض لاتهامات سياسية أو مهنية، بينما قد تتعرض الصحفية إلى مزيج من الاتهام السياسي والوصم الأخلاقي. وقد تُستخدم حياتها الخاصة أو صورتها أو علاقاتها أو مكان إقامتها في حملات التشهير، بما يضاعف الخطر على سلامتها وأسرتها. وفي حالات الاحتجاز أو التحقيق، يمكن للتحفظ على الهاتف أو الحسابات أن يكشف مراسلات مع مصادر، لكنه بالنسبة إلى الصحفيات قد يكشف أيضًا محادثات أو صورًا خاصة يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط أو تهديد.
توضح حالتا سلافة مجدي وإسراء عبد الفتاح كيف يمكن للإجراءات الجنائية المرتبطة بالتعبير أو العمل الصحفي أن تتحول، من خلال التجديد المتكرر للحبس الاحتياطي، إلى قيد ممتد على الحرية والحياة المهنية. ولا تُستخدم الحالتان للقول إن كل ملاحقة لصحفية تنطوي بالضرورة على دافع جندري مباشر، وإنما لتوضيح أن حرمان الصحفية من حريتها يقطع، بحكم طبيعته، صلتها المنتظمة بالعمل والمصادر والزملاء، ويقيد التنقل والتواصل، وقد يهدد استمرارية الدخل والمسار المهني. وتظهر حالة سلافة مجدي، التي احتُجزت مع زوجها بعيدًا عن طفلهما، بصورة خاصة امتداد أثر الاحتجاز إلى دوائر الأسرة والرعاية. وفي السياقات التي تكون فيها الصحفية أمًا أو مقدمة رعاية أساسية أو تعمل بصورة مستقلة من دون حماية مؤسسية مستقرة، يُرجح أن تكون هذه الأعباء أشد، حتى وإن لم يظهر هذا الأثر في نص الاتهام ذاته.
وتكشف حالة الصحفية والكاتبة رشا عزب، في سياق تضامنها العلني مع ناجيات من العنف الجنسي، نمطًا آخر من المخاطر التي تواجه من يتناولن قضايا العنف الجندري. فقد أُحيلت عزب إلى المحاكمة على خلفية تغريدات عبّرت فيها عن دعمها لنساء نشرن شهادات مجهلة عن اعتداءات جنسية، ووجهت إليها اتهامات بالسب والقذف وتعمد إزعاج المدعي. ورغم صدور حكم ابتدائي ببراءتها، انتهى الاستئناف إلى تغريمها بتهمتي السب والقذف.
لا تكشف هذه الحالة فقط احتمال تحول الصحفية أو المتضامنة إلى طرف متهم، بل توضح كذلك أن القانون لا يعمل بمعزل عن الصراع الاجتماعي حول من يملك حق الكلام عن العنف الجنسي، وأي الشهادات تحظى بالتصديق، وما الحدود المفروضة على التضامن العلني مع الناجيات. وعندما تُستخدم دعاوى السب أو القذف أو الإزعاج في مواجهة الشهادة أو التضامن أو النقاش العام، لا ينحصر أثرها في الشخص الملاحق، وإنما قد تُحدث أثرًا مثبطًا يدفع ناجيات وشهودًا وصحفيات ومدافعات أخريات إلى الصمت خشية التعرض للمساءلة، بما يضيق المجال النسوي المتاح لمناقشة العنف الجنسي ومقاومة الإفلات من العقاب.
الأثر غير المتكافئ على صانعات المحتوى
تختلف صانعات المحتوى عن الصحفيات من حيث الوضع القانوني والمهني. فكثيرات لا يحملن صفة صحفية، ولا ينتمين إلى نقابة أو مؤسسة، ولا يملكن محررًا قانونيًا أو إدارة مخاطر. يعتمدن على الحساب الشخصي بوصفه مساحة إنتاج وتوزيع وعمل ودخل. لذلك عندما تتحول منشوراتهن أو مقاطعهن إلى موضوع بلاغ أو تحقيق، لا تكون القضية مجرد نزاع حول محتوى منشور، بل تهديدًا مباشرًا لمصدر الرزق والهوية الرقمية والعلاقات الاجتماعية.
تظهر هذه المسألة بوضوح في قضايا عدد من صانعات المحتوى على منصات مثل تيك توك وإنستجرام، وفي مقدّمتهن حنين حسام ومودة الأدهم. فقد بدأت ملاحقتهما باتهامات من بينها الاعتداء على مبادئ وقيم الأسرة المصرية وإنشاء أو إدارة حسابات إلكترونية بقصد ارتكاب تلك الجريمة، قبل أن تنتهي مرحلة الاستئناف إلى إلغاء أحكام الحبس وتبرئتهما من هذه الاتهامات. غير أن الإجراءات لم تتوقف عند ذلك، إذ أُحيلتا لاحقًا إلى المحاكمة في قضية أخرى باتهامات أكثر جسامة، من بينها الاتجار بالبشر، على خلفية محتوى رقمي ودعوة فتيات إلى استخدام إحدى منصات البث لتحقيق دخل.
اختلفت الأحكام والمراحل الإجرائية بين القضيتين؛ فصدر على حنين حسام حكم غيابي بالسجن المشدد عشر سنوات، ثم خُفّض بعد إعادة محاكمتها إلى ثلاث سنوات، بينما صدر على مودة الأدهم حكم بالسجن المشدد ست سنوات، أيدته محكمة النقض لاحقًا. ولا تتمثل دلالة هذه القضايا في مسارها القضائي وحده، وإنما أيضًا في طبيعة التقييم الذي خضع له المحتوى الرقمي للنساء، إذ تركز الخطاب المصاحب للملاحقات على المظهر والملابس والرقص وطريقة الحديث والدعوة إلى كسب الدخل من خلال المنصات الرقمية.
وقد اعتبرت منظمات حقوقية مصرية ودولية هذه القضايا جزءًا من نمط أوسع لفرض رقابة أخلاقية وجندرية على حضور النساء في الفضاء الرقمي، مستندة إلى مفاهيم قانونية فضفاضة مثل «قيم الأسرة» و«الآداب العامة». ووفق هذا التحليل، لم يقتصر الأمر على حماية مصلحة قانونية محددة من ضرر واضح، بل امتد إلى تقييم مدى توافق سلوك النساء وتعبيرهن واستقلالهن الاقتصادي مع تصورات اجتماعية وأخلاقية مفروضة على المجال العام.
وتظهر هشاشة صانعات المحتوى في أن الدخل نفسه يصبح قابلًا للعقاب الاجتماعي. فالتعاونات التجارية والإعلانات تعتمد على السمعة العامة والثقة الرقمية. بمجرد ظهور اتهام يمس القيم أو الآداب، قد تنسحب العلامات التجارية، وقد تُغلق المنصة خاصية الربح أو تتراجع المشاهدات، وقد يخشى المتابعون التفاعل. حتى إذا انتهت القضية دون حبس، قد تكون الخسارة الاقتصادية قد وقعت بالفعل. وهذا يختلف عن كثير من المؤسسات الإعلامية التي تملك مصادر دخل متعددة وشخصية اعتبارية فاصلة عن الفرد.
وتتضاعف المخاطر بسبب حملات الإبلاغ الجماعي. يمكن لمجموعات غاضبة أن تضغط على المنصة لإغلاق حساب أو خفض انتشاره، بالتوازي مع بلاغات رسمية أو تهديدات بالملاحقة. وبما أن صانعة المحتوى غالبًا تدير حسابها بنفسها، تصبح مسؤولة عن الرد القانوني، وإدارة الأزمة الرقمية، وحماية البيانات، وطمأنة الأسرة، واستعادة الدخل في الوقت نفسه. لا توجد هنا غرفة أخبار أو نقابة أو محام مؤسسي يتدخل تلقائيًا.
كما أن الربط بين المحتوى والحياة الشخصية أسهل في حالة صانعة المحتوى. فالحساب نفسه قد يحتوي على صور عائلية، أماكن، نمط حياة، آراء، إعلانات، وتفاعل مع الجمهور. عند التحقيق أو الحملة، يمكن استخراج أجزاء متفرقة من هذا الأرشيف لإعادة بناء صورة أخلاقية ضدها. وبهذا يتحول الأرشيف الرقمي، الذي كان شرطًا للعمل، إلى مصدر خطر دائم. لذلك فإن أي إصلاح قانوني يجب أن يعترف بأن صانعة المحتوى ليست مجرد ناشر فردي؛ إنها عاملة في اقتصاد رقمي هش، ومعرضة لرقابة أخلاقية واقتصادية متداخلة.
الإجراءات الجنائية كعقوبة في ذاتها
في قضايا النشر، لا يكون الحبس النهائي هو الضرر الوحيد. كثيرًا ما تبدأ العقوبة الواقعية من لحظة القبض أو الاستدعاء. فالتحقيق المطول، والتحفظ على الهاتف أو الحاسوب، وفحص الحسابات، والمنع من السفر، وتجديد الحبس الاحتياطي، وطول أمد التقاضي، يمكن أن تنتج آثارًا شبيهة بالعقوبة، حتى إذا انتهت القضية لاحقًا بالبراءة أو الحفظ أو الغرامة. هذا مهم بصورة خاصة في تحليل الأثر الجندري لأن النساء يتحملن كلفة اجتماعية إضافية عند المرور بهذه الإجراءات.
القبض أو الاحتجاز قد يعرّض الصحفية أو صانعة المحتوى إلى فقدان السيطرة على السردية العامة. قبل أن تتمكن من توضيح موقفها، قد تكون عناوين الأخبار أو منشورات التواصل قد صنعت صورة عنها بوصفها متهمة في قضية أخلاقية أو أمنية. وإذا نشرت وسائل الإعلام تفاصيل غير ضرورية عن حياتها أو صورها أو محتواها السابق، يصبح الضرر مستقلًا عن مصير الملف القضائي. وتزداد خطورة ذلك حين تستخدم لغة توحي بالإدانة قبل الحكم، أو تعيد نشر مقاطع وصور بغرض الإثارة.
التحفظ على الأجهزة يثير أثرًا خاصًا. فهو قد يكون إجراءً ضروريًا في بعض الجرائم الرقمية إذا خضع لضمانات واضحة، لكنه في قضايا التعبير قد يفتح بابًا واسعًا على الحياة الخاصة والمصادر والرسائل الشخصية. بالنسبة إلى الصحفيات، يهدد ذلك سرية المصادر وسلامة الأشخاص الذين تواصلوا معهن. وبالنسبة إلى صانعات المحتوى، يهدد الصور الخاصة، والمراسلات التجارية، وبيانات العائلة، ومعلومات الحسابات البنكية أو الإعلانية. إذا لم توجد قيود صارمة على نطاق الفحص ومن يطلع على البيانات وكيف تحفظ، يمكن أن يصبح الإجراء نفسه شكلًا من أشكال الترهيب.
الحبس الاحتياطي أكثر الإجراءات قدرة على إنتاج أثر غير متكافئ. فهو يقطع الدخل، ويفصل المرأة عن أسرتها، ويجعل الدفاع القانوني مكلفًا، ويطيل بقاء الوصم في المجال العام. وإذا كانت المتهمة أمًا أو مسؤولة عن رعاية أفراد آخرين، يتسع الضرر ليشمل الأسرة. وإذا كانت شابة أو مستقلة ماليًا، قد لا تملك احتياطيًا اقتصاديًا يكفي لمواجهة شهور من الانقطاع. لذلك ينبغي أن ينظر القضاء والنيابة إلى الحبس الاحتياطي في قضايا النشر باعتباره إجراءً استثنائيًا شديد الخطورة، لا أداة ضغط أو عقوبة مبكرة.
كما أن المنع من السفر وتدابير الرقابة قد تؤثر على فرص التدريب والمنح والعمل العابر للحدود، وهي فرص مهمة لكثير من الصحفيات المستقلات وصانعات المحتوى. وفي المجال الرقمي، قد يكون السفر أو التعاون الإقليمي أو المشاركة في ورش أمان رقمي مصدرًا أساسيًا للحماية والدخل. لذلك فإن التدابير الاحترازية، حتى عندما تبدو أقل قسوة من الحبس، يمكن أن تنتج أثرًا مهنيًا واقتصاديًا طويلًا.
الأثر المهني والاقتصادي
تتخذ كلفة الملاحقة الجنائية في قضايا النشر شكلًا اقتصاديًا مباشرًا وغير مباشر. فهناك تكاليف المحاماة، والانتقال، والكفالة، والغرامات، وتعطل العمل، وفقدان التعاقدات. وهناك كلفة غير مباشرة تتمثل في تراجع الثقة، وخسارة فرص التوظيف، وإحجام المؤسسات أو العلامات التجارية عن التعامل مع صاحبة قضية. هذه الكلفة قد تطال الرجال أيضًا، لكنها تكون أشد على النساء في بيئات عمل لا تزال تمنحهن فرصًا أقل وحماية أضعف وتضع عليهن عبئًا أكبر لإثبات الجدية والاحترام الاجتماعي.
بالنسبة إلى الصحفيات، قد يؤدي الاتهام إلى عدم تجديد عقد، أو استبعاد من تغطية، أو تجميد التعاون مع منصة خارجية. المؤسسات قد لا تصرح بأن السبب هو الخوف من القضية، لكنها تتخذ قرارات احترازية تجعل الصحفية تدفع ثمنًا مهنيًا. والصحفية المستقلة التي تعتمد على القطعة أو المشروع لا تملك غالبًا تأمينًا أو راتبًا ثابتًا يغطي فترة الانقطاع. كل يوم تحقيق أو جلسة أو منع سفر قد يعني خسارة أجر أو فرصة.
بالنسبة إلى صانعات المحتوى، يكون الحساب نفسه أصلًا اقتصاديًا. الجمهور، الثقة، الخوارزمية، سجل التفاعل، والعلاقات مع المعلنين تشكل رأس مال غير ملموس. الاتهام الجنائي قد يخفض هذا الرأسمال بسرعة. قد ينسحب المعلنون لأنهم لا يريدون الارتباط باسم مثير للجدل، وقد تتراجع المنصة في إظهار المحتوى، وقد يهاجم الجمهور العلامات التي تتعاون معها. وإذا كان الاتهام ذا طابع أخلاقي، فإن العودة الاقتصادية قد تكون أصعب حتى بعد انتهاء القضية.
ينبغي أيضًا الانتباه إلى أن البدائل المالية قد تتحول إلى أدوات إسكات إذا صيغت بلا ضمانات. فاستبدال الحبس بغرامات باهظة أو تعويضات مدنية غير متناسبة قد يخفف المساس بالحرية الشخصية، لكنه قد يخلق عقوبة اقتصادية مدمرة لصانعات المحتوى والصحفيات المستقلات. لذلك يجب أن تكون البدائل المدنية والمهنية متناسبة مع الضرر الفعلي، وأن تراعي القدرة الاقتصادية، وأن تمنع استخدامها لإرهاق النساء بدعاوى متعددة أو مطالبات تعويضية تهدف إلى التخويف لا الجبر.
الأثر النفسي والاجتماعي والأسري
لا يمكن فهم أثر الحبس في جرائم النشر على النساء من دون النظر إلى الدائرة النفسية والاجتماعية. الاتهام في قضية نشر قد يصبح، بالنسبة إلى الصحفية أو صانعة المحتوى، حدثًا يغير علاقتها بأسرتها، ومحيطها، وجمهورها، ووجودها الرقمي. الخوف لا يتعلق بالسجن وحده، بل بما قد يرافقه من تهديدات، تشهير، رسائل جنسية، تسريب بيانات، أو مراقبة مستمرة.
تتعرض النساء في المجال العام غالبًا إلى هجوم يخلط بين الرأي والشخص. فإذا كتبت صحفية عن عنف جنسي، قد تُتهم بأنها تسعى إلى هدم الأسرة أو التشهير بالرجال. وإذا نشرت صانعة محتوى مقطعًا ساخرًا أو اجتماعيًا، قد يتحول النقاش إلى لباسها أو صوتها أو أخلاقها. وعندما تدخل النيابة أو المحكمة في الصورة، حتى بصفة تحقيق، يكتسب الهجوم الاجتماعي قوة إضافية: يصبح الاتهام الرسمي ذريعة لتكثيف الوصم.
أما الضغط الأسري فهو عنصر حاسم. قد تطلب الأسرة من الصحفية ترك العمل الميداني أو حذف حسابها أو عدم الظهور بالصورة. وقد تواجه صانعة المحتوى تهديدًا من شريك أو قريب أو مجتمع محلي بسبب الخوف من الفضيحة. هذا لا يعني أن الأسرة دائمًا مصدر قمع؛ قد تكون مصدر دعم مهم. لكن في سياق الاتهامات الأخلاقية، تتحول الأسرة أحيانًا إلى ساحة ثانية للمساءلة، ويصبح على المرأة أن تدافع عن نفسها أمام القانون وأمام البيت في الوقت ذاته.
وتتأثر الصحة النفسية كذلك. فالقلق من القبض، صعوبة النوم، الخوف من فتح الرسائل، العزلة، فقدان الثقة في الجمهور، والشعور بأن كل كلمة قد تستخدم ضدها، كلها آثار متوقعة. تؤكد تقارير اليونسكو وهيئة الأمم المتحدة للمرأة عن العنف الرقمي ضد الصحفيات والنساء في الحياة العامة أن العنف على الإنترنت ليس افتراضيًا بالمعنى البسيط؛ فهو يرتبط بتهديدات جسدية، وانسحاب مهني، وتكاليف نفسية، وأحيانًا انتقال الضرر من الشاشة إلى الشارع.
وتستمر آثار الوصم بعد انتهاء القضية. فالبراءة القانونية لا تمحو نتائج البحث على الإنترنت، ولا تعيد بالضرورة الجمهور أو الثقة أو العلاقات المهنية. وقد تبقى المقاطع والصور والتعليقات متداولة لسنوات، بما يخلق ذاكرة رقمية عقابية. لهذا يجب أن تتضمن السياسات العامة آليات للحد من نشر البيانات غير الضرورية، وحذف المحتوى الوصمي المخالف، ودعم العودة إلى العمل، وليس فقط إصلاح نص العقوبة.
الرقابة الذاتية وإسكات الأصوات النسائية
أحد أخطر آثار العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر أنه لا يعاقب المنشور محل القضية وحده، بل يعيد تشكيل ما يقال مستقبلًا. عندما ترى صحفيات وصانعات محتوى أن ملاحقة امرأة بسبب منشور قد تترافق مع حبس أو تشهير أخلاقي أو فقدان دخل، فإن الرسالة تصل إلى غير المتهمات أيضًا: بعض الموضوعات خطرة، وبعض طرق التعبير مكلفة، وبعض الأسئلة قد تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها.
تؤدي هذه الرسالة إلى رقابة ذاتية متعددة المستويات. قد تتجنب صحفية قضايا التحرش والعنف الأسري والتمييز في العمل لأنها تعلم أن الضحايا والمصادر وهي نفسها قد يتعرضن للتشهير. قد تتجنب أخرى ملفات سياسية أو أمنية لأن الملاحقة قد تُضاف إليها حملة جنسية أو أخلاقية. وقد تلجأ صانعة محتوى إلى تخفيف اللغة، أو حذف منشورات، أو تجنب الظهور بالصوت والصورة، أو التحول إلى محتوى ترفيهي محايد لا يمس قضايا المجتمع.
هذه الرقابة لا تظهر دائمًا كقرار واضح بالانسحاب. قد تبدو كاختيارات صغيرة: عدم نشر تجربة شخصية، عدم استخدام كلمة صريحة، عدم استضافة ضيفة مثيرة للجدل، عدم فتح التعليقات، عدم قبول إعلان مرتبط بقضية نسوية، أو عدم تغطية قضية في محافظة بعيدة. تراكم هذه الاختيارات يغير المجال العام. فالمساحة التي لا تُملأ بأصوات النساء تُملأ بوجهات نظر أقل تنوعًا، وربما أقل حساسية لقضايا العنف والتمييز والعمل غير المرئي والصحة الإنجابية والخصوصية الرقمية.
ويطال الأثر الجمهور أيضًا. الحق في المعرفة لا يعني فقط الوصول إلى أخبار الدولة والسياسة، بل الوصول إلى خبرات اجتماعية مختلفة، وإلى أصوات قادرة على تسمية مشكلات لا يراها المجال العام الذكوري أو الرسمي. عندما تخشى النساء الحبس أو الوصم إذا تحدثن عن أجسادهن أو أسرهن أو العنف ضدهن أو تجارب العمل، يخسر الجمهور معرفة ضرورية لصناعة سياسات عادلة. وتصبح حرية التعبير مسألة مساواة لا مسألة رأي فقط.
لذلك فإن حماية الصحفيات وصانعات المحتوى من الأثر غير المتكافئ ليست مطلبًا فئويًا ضيقًا. إنها شرط لتنوع الإعلام والنقاش العام. ولا تعني هذه الحماية إعفاء أحد من المساءلة عن التحريض على العنف أو انتهاك الخصوصية أو التشهير الحقيقي؛ بل تعني أن تكون المساءلة واضحة ومتناسبة وغير تمييزية، وأن لا تتحول إلى آلية لإسكات النساء أو دفعهن إلى الاختفاء من المجال العام.
الفئات الأكثر هشاشة
يتطلب التحليل الجندري أن ننتبه إلى تفاوت المخاطر داخل النساء أنفسهن. فالصحفية المستقلة أكثر هشاشة من الصحفية ذات العقد الثابت، لأنها تدافع غالبًا عن نفسها وحدها، وتفقد الدخل فور توقف النشر أو التكليف. والمراسلة أو المصورة الميدانية قد تواجه مخاطر إضافية بسبب التنقل والتعامل مع مصادر وأجهزة أمنية ومجتمعات محلية. والصحفية الاستقصائية التي تفتح ملفات فساد أو عنف أو انتهاكات قد تتعرض لهجوم من أصحاب نفوذ، ثم تجد نفسها بلا حماية إذا خافت المؤسسة من التصعيد.
صانعات المحتوى ذوات الدخل المحدود معرضات بدورهن لكلفة مضاعفة. قد تكون المنصة مصدر الدخل الوحيد أو الأساسي، وقد لا توجد مدخرات أو تأمين أو معرفة قانونية. في هذه الحالة، يصبح التهديد بالحبس أو الغرامة كافيًا لدفع صاحبة الحساب إلى حذف المحتوى أو التوقف. كما أن النساء الأصغر سنًا قد يكن أكثر تعرضًا للضغط الأسري وللهجوم الأخلاقي، لأن المجتمع يقرأ ظهورهن الرقمي بوصفه دليلًا على التمرد أو قلة الانضباط.
تواجه المقيمات خارج المدن الكبرى تحديات إضافية. الوصول إلى محامين متخصصين في جرائم النشر والجرائم الإلكترونية أكثر صعوبة. السفر إلى القاهرة أو مقر التحقيق يكلف وقتًا ومالًا. كما أن الوصم في المجتمعات الأصغر قد يكون أشد التصاقًا بالعائلة وبفرص الزواج والعمل والسكن. لذلك فإن الواقعة نفسها قد تنتج أثرًا أكبر على امرأة في محافظة محدودة الموارد مقارنة بمن تملك شبكة دعم في العاصمة.
تزداد الهشاشة عندما يكون المحتوى متعلقًا بقضايا النساء والجسد والعنف والأسرة. هذه الموضوعات تُقرأ غالبًا من منظور أخلاقي قبل أن تُقرأ بوصفها قضايا حقوقية أو اجتماعية. من تتحدث عن التحرش قد تُسأل عن ملابس النساء. من تناقش العنف الأسري قد تُتهم بهدم البيوت. من تنتقد قانونًا أو ممارسة مرتبطة بالجسد قد تواجه اتهامات بالخروج على التقاليد. وعندما توجد نصوص جنائية فضفاضة، يمكن أن تنتقل هذه الاتهامات الاجتماعية إلى بلاغات رسمية.
كما يجب الانتباه إلى من يتعرضن في الوقت نفسه لعنف رقمي أو ابتزاز أو كشف بيانات. فالمرأة التي تواجه تهديدًا بنشر صور أو معلومات خاصة قد لا تستطيع خوض معركة قانونية طويلة في قضية نشر. وقد تستغل أطراف معادية هشاشتها لدفعها إلى الصمت. لذلك يجب أن يكون الدعم القانوني والنفسي والرقمي متاحًا مبكرًا، وأن يراعي اختلاف الموارد والمواقع الاجتماعية لا أن يفترض قدرة متساوية على الصمود.
فجوات الحماية الحالية
تكشف الحالات والأنماط السابقة عن فجوات حماية متعددة. أولى هذه الفجوات غياب المساعدة القانونية المبكرة. كثير من الصحفيات المستقلات وصانعات المحتوى لا يعرفن حقوقهن عند الاستدعاء أو القبض أو فحص الهاتف، ولا يعرفن حدود ما يجوز للجهات المختصة الاطلاع عليه أو نسخه. غياب المشورة المبكرة يجعل القرارات الأولى، مثل تسليم كلمة المرور أو حذف محتوى أو الاعتراف بصياغة ملتبسة، ذات أثر طويل.
الفجوة الثانية هي ضعف الدعم النفسي والرقمي. فكثيرًا ما يُركزعلى الدفاع القانوني، وهو ضروري، لكن الهجوم على النساء في قضايا النشر يتضمن تهديدات ورسائل وتشهيرًا وسرقة حسابات وكشف بيانات. من دون فريق أو دليل واضح للتوثيق، والإبلاغ، وتأمين الحسابات، وإدارة التعليقات، واستعادة الوصول، قد تتحول الأزمة إلى انهيار شخصي ومهني. الدعم النفسي ليس رفاهية؛ إنه شرط للاستمرار في المجال العام.
الفجوة الثالثة تتعلق بالمؤسسات الإعلامية. ليست كل المؤسسات تملك سياسات مكتوبة لحماية الصحفيات من الملاحقة أو العنف الرقمي. وقد تترك الصحفية المستقلة أو المتعاونة من الخارج وحدها عند وقوع الخطر. بل قد تسارع بعض المؤسسات إلى قطع العلاقة حماية لسمعتها. المطلوب سياسات واضحة تشمل التمثيل القانوني، وإدارة الأمان الرقمي، وحماية المصادر، وعدم التمييز ضد الصحفيات بسبب تعرضهن لقضية أو حملة تشهير.
الفجوة الرابعة نقابية وتنظيمية. نقابة الصحفيين توفر حماية لأعضائها، لكن كثيرًا من العاملات في المنصات الرقمية أو الصحافة المستقلة أو الإنتاج المرئي لا يدخلن بسهولة ضمن تعريفات العضوية أو الحماية. وصانعات المحتوى لا يجدن كيانا مهنيًا يدافع عن حقوقهن أو يقدم إرشادًا قانونيًا. ومع اتساع الرقابة على الحسابات الشخصية، تصبح هذه الفجوة أكثر خطورة: الدولة تتعامل مع الحساب كوسيلة نشر، بينما لا يحصل صاحبه أو صاحبته على حماية الناشر المهني.
الفجوة الخامسة هي غياب ضمانات فعالة ضد التشهير الإعلامي أثناء التحقيق. نشر الاسم الكامل، والصور، ومقاطع من المحتوى، وتفاصيل الحياة الخاصة، ولغة الإدانة المسبقة، كلها ممارسات تضاعف الضرر على النساء. لا يكفي أن تكون المحاكمة عادلة إذا كان المجال الإعلامي قد أصدر حكمه الاجتماعي مبكرًا. لذلك تحتاج الجهات القضائية والتنظيمية إلى قواعد تمنع نشر بيانات غير لازمة، وتلزم الإعلام بلغة دقيقة تراعي قرينة البراءة والحساسية الجندرية.
البدائل والإصلاحات
الإصلاح الأول والأكثر وضوحًا هو إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر والتعبير خارج أضيق الاستثناءات الدستورية، وبما يتوافق مع المادة 71 من الدستور والمعايير الدولية. لا يعني ذلك ترك الضرر بلا علاج. يمكن معالجة التشهير الحقيقي أو انتهاك الخصوصية بوسائل مدنية ومهنية وإجرائية متناسبة، مثل التصحيح والرد والتعويض المحدود والغرامات المتناسبة، بشرط ألا تتحول هذه البدائل إلى عقاب اقتصادي مساوٍ للحبس في أثره الإسكاتي.
الإصلاح الثاني هو تضييق النصوص الأخلاقية الفضفاضة. يجب تعريف عبارات مثل القيم الأسرية والآداب العامة والحياء العام تعريفًا يقيد السلطة التقديرية ولا يسمح بتحويلها إلى مراقبة لسلوك النساء. وينبغي أن يقتصر التجريم على أفعال محددة تسبب ضررًا واضحًا ومباشرًا، لا يعتمد على تقييم أسلوب الظهور أو الذوق أو المحتوى الاجتماعي.
الإصلاح الثالث هو إدخال تقييم للأثر الجندري عند صياغة أو تعديل قوانين الإعلام والجرائم الإلكترونية. يجب أن تسأل كل مسودة قانون: هل تستخدم مفاهيم قد تطبق بصورة أشد على النساء؟ هل تؤثر على الحسابات الشخصية التي تعتمد عليها النساء اقتصاديًا؟ هل توفر حماية من العنف الرقمي؟ هل تتيح تظلمًا سريعًا؟ هل تراعي الصحفيات المستقلات وصانعات المحتوى غير المنتميات إلى مؤسسات؟ هذا التقييم لا ينبغي أن يكون إجراء شكليًا، بل أداة لتعديل الصياغة والضمانات.
الإصلاح الرابع هو إلغاء الحبس الاحتياطي في قضايا التعبير. ينبغي النص أو التوجيه بوضوح إلى أن قضايا النشر غير العنيفة لا تبرر الحبس الاحتياطي إلا في حالات استثنائية ومسببة بدقة، مع تفضيل بدائل أقل تقييدًا، ومراجعة دورية حقيقية. كما يجب حظر تدوير الاتهامات على الوقائع نفسها أو استخدام قضايا جديدة لإطالة الاحتجاز.
الإصلاح الخامس هو حماية الحياة الخاصة والبيانات أثناء التحقيق. يجب أن تخضع مصادرة الأجهزة وفحص الحسابات لأمر قضائي محدد النطاق والمدة والغاية، وأن يتم الفحص بحضور الدفاع كلما أمكن، وأن يُحظر نسخ أو نشر أو تداول أي بيانات لا صلة لها بالاتهام. كما يجب توفير مسار سريع للشكوى عند تسريب بيانات أو صور أو محتوى خاص.
الإصلاح السادس هو بناء منظومة دعم حول النساء المستهدفات. وتشمل هذه المنظومة المساعدة القانونية المبكرة، والإرشاد النفسي، والأمان الرقمي، واستعادة الحسابات، ودعم العودة إلى العمل، وصناديق طوارئ للصحفيات المستقلات وصانعات المحتوى، وسياسات مؤسسية لمواجهة العنف الرقمي. الإصلاح القانوني وحده لا يكفي إذا تُركت المرأة تواجه السوق والأسرة والمنصة والجمهور بعد انتهاء القضية.
التوصيات
إلى السلطة التشريعية:
- تعديل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لحذف العبارات الفضفاضة المتعلقة بالقيم الأسرية، وربط التجريم بضرر محدد وقابل للإثبات.
- مواءمة القوانين الجنائية والإعلامية مع حظر العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، وتقرير بدائل مدنية ومهنية متناسبة.
- إدراج تقييم إلزامي للأثر الجندري في مشروعات قوانين الإعلام والاتصالات والجرائم الإلكترونية، مع نشر نتائج التقييم وإتاحة التشاور مع منظمات حقوقية ونسوية وصحفيات وصانعات محتوى.
- وضع سقوف واضحة للتعويضات والغرامات في قضايا النشر حتى لا تتحول إلى أدوات إسكات اقتصادي.
إلى النيابة العامة والسلطة القضائية:
- التعامل مع الحبس الاحتياطي في قضايا التعبير بوصفه إجراءً استثنائيًا لا يلجأ إليه في الجرائم غير العنيفة إلا بتسبيب محدد.
- ضمان حضور المحامي منذ اللحظة الأولى، وتمكين المتهمات من الاتصال بالأسرة، ومنع نشر بيانات أو صور أو تفاصيل شخصية غير لازمة.
- إصدار إرشادات تراعي المنظور الجندري في تفسير مفاهيم القيم والآداب، وتؤكد قرينة البراءة وحظر اللغة الوصمية.
- تقييد فحص الأجهزة والحسابات بنطاق الاتهام، وتجريم أو مساءلة أي تسريب للبيانات الخاصة.
إلى المجلس الأعلى للإعلام:
- وضع قواعد ملزمة للتغطية الإعلامية لقضايا النشر التي تطال النساء، تمنع الإدانة المسبقة، وإعادة نشر المحتوى محل الاتهام بغرض الإثارة، والخوض في الحياة الخاصة.
- تطوير آلية تظلم سريعة ضد التغطية الوصمية أو انتهاك الخصوصية.
- مراجعة تطبيق قواعد تنظيم الحسابات الشخصية ذات المتابعين الأكثر من 5000 متابع، بما يضمن عدم مساواة الفرد بالمؤسسة الإعلامية من حيث الالتزامات دون حماية مقابلة.
إلى نقابة الصحفيين:
- توسيع خدمات الدعم القانوني لتشمل الصحفيات المستقلات والمتدربات والمتعاونات بقدر الإمكان، أو إنشاء مسار مساعدة أولية لغير الأعضاء في قضايا حرية التعبير.
- إعداد دليل عملي للصحفيات حول التعامل مع الاستدعاء والتحقيق وفحص الأجهزة والعنف الرقمي.
- إنشاء وحدة أو نقطة اتصال للدعم النفسي والرقمي، بالتعاون مع منظمات متخصصة.
- الدفاع عن حق الصحفيات في تغطية القضايا السياسية والاستقصائية وقضايا العنف الجندري دون تمييز أو استبعاد مهني.
إلى المؤسسات الإعلامية:
- اعتماد سياسات مكتوبة لحماية الصحفيات من الملاحقة وحملات التشهير، تشمل التمثيل القانوني، والأمان الرقمي، وحماية المصادر، والدعم النفسي.
- عدم إنهاء التعاقد أو تجميد التكليفات لمجرد تعرض الصحفية لبلاغ أو حملة، إلا وفق معايير عادلة وشفافة.
- تدريب المحررين والمديرين على فهم الأثر الجندري للملاحقة، وتوزيع الملفات الحساسة على أساس الكفاءة لا الخوف الأبوي من تعرض النساء للخطر.
- توفير بروتوكولات للاستجابة السريعة عند كشف بيانات صحفية أو تهديدها.
إلى منصات التواصل الاجتماعي:
- تحسين آليات الإبلاغ عن التشهير الجنسي وكشف البيانات والتهديدات الموجهة للصحفيات وصانعات المحتوى، وتوفير قنوات طوارئ موثوقة للحسابات المعرضة للخطر.
- مراجعة أثر حملات الإبلاغ الجماعي حتى لا تتحول إلى أداة لإسكات النساء.
- تقديم شفافية أكبر حول إغلاق الحسابات أو تقليل الوصول، وتمكين صاحبة الحساب من تظلم سريع ومفهوم.
- التعاون مع منظمات محلية موثوقة لتوفير موارد أمان رقمي باللغة العربية.
الخاتمة
تؤكد هذه الورقة أن العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر لا يمكن تقييمها بمعزل عن المجتمع الذي تطبق فيه. فالنص المحايد ظاهريًا قد يصبح أداة تمييز غير مباشر عندما يلتقي بصور نمطية ترى أن صوت المرأة وحضورها الرقمي ومظهرها وسلوكها الشخصي موضوعات مشروعة للرقابة والعقاب. وعندما تُضاف الإجراءات الجنائية إلى حملات التشهير والعنف الرقمي والضغط الأسري وخسارة الدخل، يصبح الحبس، أو حتى خطره، عقوبة مضاعفة تدفع النساء إلى الصمت أو الانسحاب.
لا تكمن المشكلة في مبدأ المساءلة القانونية عن النشر. فحرية التعبير لا تحمي التحريض على العنف، ولا نشر الصور الخاصة دون رضا، ولا التهديد، ولا الاعتداء الحقيقي على حقوق الآخرين. المشكلة في استخدام الحبس والنصوص الفضفاضة والإجراءات الممتدة لمواجهة تعبير لا يسبب ضررًا محددًا، أو لتقييم النساء أخلاقيًا بدل تقييم الفعل المنشور قانونيًا. حماية النساء في المجال العام تعني ضمان مساءلة واضحة ومتناسبة وغير تمييزية، لا إعفاءً من القانون.
إن إلغاء الحبس في جرائم النشر، وتضييق مفاهيم القيم والآداب والحياء، والحد من الحبس الاحتياطي، وحماية الخصوصية أثناء التحقيق، وبناء دعم قانوني ونفسي ورقمي، كلها خطوات مترابطة. فالإصلاح التشريعي من دون حماية من العنف الرقمي يترك النساء مكشوفات. والحماية الرقمية من دون إصلاح جنائي تبقي خطر الحبس قائمًا. والسياسات المؤسسية من دون منظور جندري قد تعيد إنتاج الاستبعاد داخل غرف الأخبار والمنصات.
من منظور المركز الإقليمي للحقوق والحريات، لا تتعلق هذه القضية بمصير صحفية أو صانعة محتوى بعينها، بل بشكل المجال العام نفسه. كلما زادت كلفة كلام النساء، ضاق النقاش العام، وتراجعت تغطية قضايا العنف والتمييز والخصوصية والجسد والعمل والأسرة، وخسر الجمهور حقه في سماع أصوات وتجارب متنوعة. لذلك يجب أن ينظر صناع القرار إلى إصلاح جرائم النشر من منظور المساواة بقدر ما ينظرون إليه من منظور حرية التعبير. فحرية التعبير التي لا تستطيع النساء ممارستها بأمان ليست حرية كاملة، والمساواة التي لا تشمل الحق في الكلام والظهور والنقد ليست مساواة فعلية.
قائمة المراجع
1- دستور جمهورية مصر العربية 2014، المادة 71 https://www.constituteproject.org/constitution/Egypt_2014?lang=ar
2- قانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات
3- قانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: https://scm.gov.eg/%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3
4- قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته
https://manshurat.org/node/23881
5- المحكمة الدستورية العليا المصرية، القضية رقم 37 لسنة 11 قضائية دستورية: https://lawhub.info/eg-j/?p=5751
6- القضية رقم 42 لسنة 16 قضائية دستورية،https://humanrts.umn.edu/arabic/Egypt-SCC-SC/Egypt-SCC-42-Y16.html
7- لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، التعليق العام رقم 34 بشأن المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، CCPR/C/GC/34، 2011: https://www.ohchr.org/sites/default/files/english/bodies/hrc/docs/gc34.pdf
8- اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، OHCHR: https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/instruments/convention-elimination-all-forms-discrimination-against-women
9- المقررة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير، تقرير العدالة الجندرية وحرية الرأي والتعبير، A/76/258، 2021، صفحة OHCHR: https://www.ohchr.org/en/press-releases/2021/10/gender-equality-freedom-expression-remains-distant-goal-un-expert
10 - UNESCO and ICFJ, The Chilling: Global trends in online violence against women journalists, 2021: https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000377223
11- وملخص المسح العالمي: https://www.unesco.org/en/articles/unescos-global-survey-online-violence-against-women-journalists
UN Women, Tipping Point: The Chilling Escalation of Online Violence Against -12 Women in the Public Sphere in the Age of AI, 2025: https://www.unwomen.org/sites/default/files/2025-12/tipping-point-the-chilling-escalation-of-violence-against-women-in-the-public-sphere-in-the-age-of-ai-en.pdf
Amnesty International, Egypt: Survivors of sexual violence and online abuse among prosecuted women TikTok influencers, 13 August 2020: https://www.amnesty.org/en/latest/press-release/2020/08/egypt-survivors-of-sexual-violence-and-online-abuse-among-prosecuted-women-tiktok-influencers
Amnesty International, Women influencers jailed over “indecency”: Hanin Hossam and Mawada el-Adham, Urgent Action, 14 July 2021: https://www.amnesty.org/en/wp-content/uploads/2021/07/MDE1244432021ENGLISH.pdf
The Tahrir Institute for Middle East Policy, Egypt’s TikTok Crackdown and “Family Values”, 13 August 2020:
https://timep.org/2020/08/13/egypts-tiktok-crackdown-and-family-values
تجديد حبس إسراء عبد الفتاح على ذمة التحقيقات – ملف قانوني متجدد
https://afteegypt.org/legal-profiles-2/legal-news/2019/11/05/18175-afteegypt.html
Amnesty International, Egypt: journalist interrogated over new terrorism charges: Solafa Magdy, 3 November 2020: https://www.amnesty.org/en/documents/mde12/3299/2020/en
، وIWMF حول الإفراج عنها: https://www.iwmf.org/2021/04/egyptian-journalist-solafa-magdy-released-from-unjust-imprisonment/
PEN America, Rasha Azab, Writer at Risk: https://pen.org/writer-at-risk/rasha-azab
، وAmnesty International, Egypt: End campaign of intimidation against government critic Rasha Azab, 2024: https://www.amnesty.org/en/latest/news/2024/12/egypt-end-campaign-of-intimidation-against-government-critic-rasha-azab/
Freedom House, Egypt: Freedom on the Net 2022: https://freedomhouse.org/country/egypt/freedom-net/2022
، وReporters Without Borders, Egypt country profile: https://rsf.org/en/country/egypt
Media Defence, Gender-based Violence module: https://www.mediadefence.org/ereader/publications/modules-on-litigating-freedom-of-expression-and-digital-rights-in-south-and-southeast-asia/module-10-violence-against-journalists/gender-based-violence/
، ودراسة Goyal, Park and Vasserman, 2022: https://arxiv.org/abs/2202.11168
المركز الاقليمى للحقوق و الحريات هى مؤسسة قانونية مصرية تأسست وفقا للاحكام القانون فى يناير 2016 على يد مجموعة من نشطاء حقوق الانسان الشباب حيث تضم مجموعة من المحامين و الباحثين و يعملون من اجل الدفاع عن حقوق الانسان فى مصر و الاقليم و الذين يتخذون من مبادئ حقوق الانسان مرجعا و من العمل السلمى منهجا لضمان حرية الفرد و كرامته . يسعى المركز للوصول إلى مجتمع منفتح وعادل يتيح حرية البحث عن المعلومات وخلق الأفكار وتلقيها والتعبير عنها وتبادلها مع الآخرين دون خوف أو تدخل ظالم من الدولة وذلك بتمكين أفراد المجتمع ومساعدتهم في الحصول على حقوقهم والتمتع بحرياتهم بتمثيل احتياجاتهم أمام الجهات المسؤولة والتأكيد على ضرورة الالتزام بحقوق الانسان وسيادة القانون.
روابط سريعة
ابق على اطلاع!