شيماء حمدي تكتب: عن تدهور الصحافة والمحتوى الصحفي في مصر

تعاني الصحافة المصرية من تراجع مستمر في إقبال القراء على المحتوى الصحفي المصري سواء على مستوى الصحافة الورقية أو الرقمية؛ ويتضح ذلك بشكل كبير في تدني أرقام توزيع الصحف المطبوعة، بالإضافة إلى تراجع معدلات المرور للصحف الإلكترونية والمواقع الإخبارية. ما دفع بعض المواقع الالكترونية في الاعتماد على العناوين التي تفتقر للمهنية من أجل جذب القراء وزيادة نسبة المشاهدة.

تلجأ بعض الصحف الإلكترونية والمواقع الإخبارية لتزوير أعداد الزائرين لمواقعها وعدد المستخدمين لها بغية الحصول على الإعلانات ومصادر التمويل، ومحاولة كسب ثقة القراء. لكن تلك المحاولات لم تتغلب على انصراف القراء عن الصحافة المحلية واتجاههم إلى الصحافة الأجنبية للحصول على المعلومات التي يبحثون عنها.

الصحافة المصرية تعاني من حالة مرضية أصابتها بشدة خلال السنوات الأخيرة، ولازال الأمر يزداد سوء لعدة أسباب؛ أولها هي القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير ما ساهم بشكل كبير في تدهور الوضع الصحفي في مصر، بالإضافة إلى القوانين التي سنت مؤخرا وساهمت في محاصرة المهنة.

ويتمثل السبب الثاني في انحصار ملكية المؤسسات الصحفية ما بين الدولة ورجال الأعمال، تسبب في سيادة الصوت الواحد واختفاء الدور الحقيقي الذي من المفترض أن تقدمه الصحافة المصرية والذي يتمثل في تقديم المعلومات الدقيقة والصحيحة للمواطن، والحديث عما يعانيه المواطنون على أرض الواقع.

إن سيطرة رأس المال على المؤسسات الصحفية، حولتها إلى مؤسسات ربحية تبحث عن الموضوعات التي تجلب لها الربح، غير مهتمة بمدى جودة المحتوى وأهميته، حتى وإن كان ما تقدمه يفتقر للمهنية ودون المستوى.

استقلالية المؤسسات الصحفية وفصل المال عن التوجه الإعلامي والصحفي سيساهم بشكل كبير في تقديم صحافة تهتم بالمواطن، وهو ما يعمل على إعادة بناء الثقة من جديد بين تلك المؤسسات والمواطنين.

أما السبب الثالث هو المحتوى الصحفي نفسه الذي تقدمه المؤسسات الصحفية المصرية، الذي يعاني من حالة تردي وتدهور، حيث توقف المحتوى الصحفي في مصر عند مرحلة معينة من الزمن غير عابئ بالتطور التكنولوجي الذي ساهم بشكل كبير في تطور المحتوى الصحفي في عدد من البلدان التي اتخذت صحافتها خطوات أسرع كثيرا من تلك التي تخطوها الصحافة المصرية، في الوقت الذي أدى فيه ظهور الصحافة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي إلى تطور سريع في مجال النشر الصحفي، وخلق جيل جديد من القراء يسعى وراء المعلومة في أبسط وأسرع صورة لها.

إن تسارع وتيرة الحياة جعلت القارئ المستخدم للصحافة الإلكترونية بمختلف أشكالها سرعان ما يشعر بالملل ولم يعد يطيق قراءة الموضوعات المطولة، وأصبح يسعى وراء الجديد سواء في شكل المادة المعلوماتية المقدمة أو المضمون، وأيضًا بدأ القارئ في العزوف عن ارتياد المواقع الإخبارية التي اعتاد عليها، نظرًا لما تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي من تغطية سريعة للخبر.

ولذلك ظهرت أنواع جديدة من الصحافة مثل “صحافة البيانات” التي تعتبر أحد الأشكال الصحفية التي انتشرت في المواقع الإلكترونية كمحاولة لجذب القارئ وكوسيلة للمنافسة بين الوسائل الإعلامية. ومن هنا نجد أنفسنا أمام أشكال جديدة من الصحافة التي بدأت في الإنتشار بشكل ملحوظ، لكن المؤسسات الصحفية في مصر لازالت غير قادرة على مواكبة تطورات المحتوى الصحفي.

وهناك سبب رابع أدى إلى تدهور وضع الصحافة المصرية، حيث أن الكثير من المؤسسات الصحفية تناست المسؤولية التي تقع على عاتقها في ضرورة تأهيل وتطوير الصحفيين الذين يعملون في المؤسسة، وكرست كل جهودها فقط في تحقيق الربح، فتطور الصحفيين وبناء قدراتهم ليس فقط مكسبا للصحفي وإنما أيضا مكسبا كبيرا للمؤسسة الصحفية، حيث يعود تطوير وتأهيل الصحفي عليها بالتقدم وتقديم محتوى صحفي يرتقي إلى ما يريده المواطنون.

ونظرا للأسباب المذكورة كان من الطبيعي أن يصل حال بعض المؤسسات إلى الإفلاس فتعلن إغلاقها وتسرح العاملين بالمؤسسة. فإذا كنا نريد أن تعود قاطرة الصحافة المصرية إلى الإنطلاق فعلينا أن نتفهم تلك الأزمات ونعمل على حلها.

وأخيرا، نحن بحاجة إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والصحافة المصرية، وهو ما لم ولن يحدث دون رفع القيود عن المهنة حتى تستطيع أن تقدم ما يحتاجه المواطن، بالإضافة إلى ضرورة أن تعمل المؤسسات على تطوير ذاتها من خلال تطوير الصحفيين الذين يعملون فيها وتنمية قدراتهم.