ملخص تنفيذي
تطرح أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي سؤالًا جديدًا على الصحافة: هل يظل الخبر، بعد نشره على الإنترنت، جزءًا من المجال الرقمي الذي يجوز تحليله واستدعاؤه وإعادة تلخيصه بلا إذن، أم يظل أيضًا ثمرة عمل مهني محمي لا يجوز تحويله إلى مدخل مجاني في منتجات تجارية تنافس مصادره الأصلية؟ لا تكمن صعوبة السؤال في الملكية الفكرية وحدها، بل في تداخلها مع حرية الصحافة، وحق الجمهور في المعرفة، واستدامة المؤسسات الصحفية، وحقوق الصحفيين والمصورين والمستقلين داخل علاقات تعاقدية غالبًا لم تتوقع استخدامات الذكاء الاصطناعي.
تنطلق هذه الورقة من مقاربة متوازنة هي أن إتاحة المادة الصحفية للجمهور لا تعني سقوط الحقوق أو إباحة كل استخدام تجاري لاحق، كما أن حماية الصحافة لا تبرر تحويل حق المؤلف إلى أداة لحجب المعلومات أو تقييد الاقتباس والنقد والبحث. المسألة ليست صراعًا بين الصحافة والتكنولوجيا، بل مسألة توزيع عادل للقيمة والمسؤولية داخل بيئة معلوماتية باتت فيها المنصات وأنظمة الإجابة قادرة على استخراج قيمة اقتصادية من العمل الصحفي دون تحمل كلفته المهنية.
وتظهر الإشكالية في عدة مستويات. أولًا، تتباين الاستخدامات التقنية والقانونية: فجمع البيانات للتدريب يختلف عن الفهرسة، والاسترجاع، والتلخيص، وإظهار المقتطفات، وتوليد إجابة قد تغني المستخدم عن زيارة المصدر الأصلي. وثانيًا، لا تتطابق حقوق الصحفي والمؤسسة دائمًا؛ فقد تملك المؤسسة حق النشر أو بعض حقوق الانتفاع، بينما يحتفظ الصحفي بحقوق أدبية وبحقوق مالية لم يتنازل عنها صراحة، خصوصًا في الأعمال الحرة والصور والرسوم والمساهمات القديمة. وثالثًا، لا تكفي الإحالة إلى المصدر إذا كان المنتج يقدم ملخصًا شاملًا أو إجابة بديلة تقلل الحاجة إلى المادة الأصلية. ورابعًا، قد تؤدي اتفاقات الترخيص المباشر بين الأطراف إلى تركيز عوائد جديدة في يد الناشرين الكبار، بينما تُستبعد المواقع الصغيرة والمستقلة والصحفيون المستقلون من التفاوض ومن تقاسم المقابل.
على المستوى المقارن، يعتمد الاتحاد الأوروبي استثناءات للتنقيب في النصوص والبيانات، مع حماية حق أصحاب الحقوق في التحفظ، ويفرض على مقدمي نماذج الذكاء الاصطناعي التزامات تتعلق بالامتثال لحقوق المؤلف والشفافية بشأن محتوى التدريب. وفي الولايات المتحدة، لا يزال تطبيق الاستخدام العادل على تدريب النماذج محل نزاع، وتختلف النتيجة بحسب طبيعة الاستخدام ومصدر المصنفات وأثره في السوق. أما المملكة المتحدة، فتدرس خيارات متعددة تشمل الترخيص والشفافية والأدوات التقنية، من دون اعتماد إصلاح تشريعي نهائي حتى الآن.
في مصر، يوفر قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 أساسًا لحماية عدد من المصنفات التي يتضمنها المحتوى الصحفي، وينظم الحقوق الأدبية والمالية للمؤلف، لكنه لا يتضمن أحكامًا خاصة باستخدام هذا المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو في أنظمة الاسترجاع والتوليد والإجابة. كما ينظم قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 المؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية، مع أهمية التمييز، من منظور سياساتي، بين حماية حقوق المؤلف وتنظيم المحتوى، حتى لا تتحول معالجة هذه المسألة إلى مدخل لتوسيع الرقابة على المحتوى الرقمي.
ويكتسب قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 أهمية إضافية عندما تتضمن المواد الصحفية التي تُدخل إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بيانات شخصية، ولا سيما إذا جرت معالجتها لأغراض التدريب أو تطوير النماذج أو تشغيل أنظمة الاسترجاع والتوليد، وهي أغراض قد تختلف عن المعالجة الصحفية أو الإعلامية الأصلية للمادة. وفي هذه الحالات، تثار مسائل تتعلق بالأساس القانوني للمعالجة، والغرض منها، ونطاق استخدام البيانات وحمايتها، مع مراعاة أن القانون يستثني من نطاقه البيانات الشخصية التي تُعالج حصرًا للأغراض الإعلامية وفق الشروط التي يحددها. ولا يحل هذا الإطار محل الضمانات المستقلة المقررة لحماية سرية المصادر الصحفية.
توصي الورقة بإطار يقوم على الشفافية، والتناسب، وعدالة المقابل، وحماية حقوق الصحفيين داخل المؤسسات، وعدم توسيع سلطات الحجب أو الترخيص المسبق. ويشمل ذلك: تعديل أو تفسير تشريعي محدود يوضح أن الاستخدامات التجارية الواسعة للمحتوى الصحفي في التدريب أو التشغيل تتطلب أساسًا قانونيًا واضحًا؛ إلزام الشركات الكبرى بتقديم ملخصات مفهومة عن فئات المحتوى الصحفي المستخدمة وآليات الاعتراض؛ وضع قواعد تعاقدية تمنع المؤسسات من ترخيص أرشيفات الصحفيين والمصورين خارج نطاق التنازل الصريح؛ إنشاء آلية تفاوض جماعي أو ترخيص جماعي طوعي مع ضمان نصيب عادل للمبدعين؛ وفرض سياسات داخل غرف الأخبار تمنع إدخال المواد السرية أو غير المنشورة أو بيانات المصادر إلى أدوات عامة غير آمنة.
مقدمة: من علاقة الإحالة إلى علاقة الاستخلاص
اعتمدت الصحافة الرقمية، خلال عقدين تقريبًا، على علاقة معقدة مع محركات البحث والمنصات الاجتماعية. كانت هذه العلاقة غير متوازنة لكنها مفهومة نسبيًا: تفهرس المنصة المحتوى وتعرض العنوان أو مقتطفًا محدودًا، وفي المقابل يحصل الموقع الصحفي على زيارات يمكن تحويلها إلى إعلان أو اشتراك أو حضور جماهيري. لم تكن هذه العلاقة عادلة دائمًا، لكنها حافظت على قدر من الارتباط بين مصدر المعلومة والجمهور.
تغيرت المعادلة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي وأنظمة البحث والإجابة بالذكاء الاصطناعي. فالنظام لا يكتفي بإرشاد المستخدم إلى المصدر، بل قد يقدم إجابة مركبة، أو تلخيصًا، أو مقارنة، أو إعادة صياغة للنقاط الأساسية، بما يقلل الحاجة إلى زيارة النص الأصلي. وفي حال ربط النموذج بنظام استرجاع مباشر للمحتوى الحديث، يصبح المحتوى الصحفي ليس فقط مادة تدريب تاريخية، بل عنصرًا تشغيليًا يوميًا في إنتاج الإجابات. هنا ينتقل الخلاف من سؤال: هل يجوز الفهرسة؟ إلى سؤال أوسع: من ينتفع اقتصاديًا ومعرفيًا من العمل الصحفي، ومن يتحمل كلفة إنتاجه، ومن يملك سلطة الترخيص أو الاعتراض؟
ويزداد هذا التحول وضوحًا عندما لا تظل أنظمة الذكاء الاصطناعي أدوات عامة منفصلة عن دورة الأخبار، بل تصبح إحدى الواجهات التي يلجأ إليها الجمهور للحصول على الأخبار وفهمها. فقد أظهر تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة أن الاستخدام الأسبوعي لروبوتات المحادثة المستقلة للحصول على الأخبار ارتفع عالميًا من 7% في 2025 إلى 10% في 2026. كما تشير بيانات التقرير إلى أن استخدامها للأخبار أكثر شيوعًا بين من يُظهرون اهتمامًا أكبر بالأخبار، وأن من أبرز ما يقدره المستخدمون فيها القدرة على التعمق في الموضوع وطرح أسئلة متابعة. ومع ذلك، لا تزال هذه الأدوات تؤدي دورًا تكميليًا في استهلاك الأخبار لدى معظم المستخدمين، إذ قال 1% فقط إن الذكاء الاصطناعي يمثل مصدرهم الرئيسي للأخبار. ولا يعني ذلك أن روبوتات المحادثة قد حلت محل المواقع الصحفية، لكنه يشير إلى ظهور مسار وساطة جديد بين الجمهور والمصادر الأصلية قد يعيد تشكيل أنماط الوصول إلى الأخبار والعلاقة بالمؤسسات المنتجة لها.
وتزداد أهمية السؤال لأن المحتوى الصحفي ليس مادة رقمية عادية. الخبر الجيد يتطلب وقتًا، ومصادر، وتحققًا، وتحريرًا، ومراجعة قانونية أحيانًا، وقد ينطوي على مخاطر مهنية وشخصية. والتحقيق الصحفي أو الصورة الميدانية أو قاعدة البيانات التفاعلية ليست مجرد نص متاح؛ لكنها بنية معرفة أنتجها أشخاص ومؤسسات ضمن شروط اقتصادية صعبة. في الوقت نفسه، لا يجوز اختزال المسألة في حماية الملكية وحدها؛ فالصحافة تؤدي وظيفة عامة، وحق الجمهور في المعرفة يقتضي الإبقاء على مساحات للاقتباس والنقد والبحث والأرشفة والوصول إلى المعلومات.
لذلك تسأل هذه الورقة: كيف يمكن حماية حقوق الصحفيين والمؤسسات الصحفية وضمان استدامة الصحافة عند استخدام المحتوى الصحفي في تدريب وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، دون فرض قيود غير متناسبة على حرية تداول المعلومات أو الابتكار أو حق الجمهور في المعرفة؟ وتعالج الورقة هذا السؤال من خلال تحليل الاستخدامات التقنية، وخريطة الحقوق والمصالح، والنماذج المقارنة، والإطار المصري، ثم تقترح إطارًا قابلًا للتطبيق في مصر.
كيف تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي المحتوى الصحفي؟
ينبغي التمييز منذ البداية بين عدة استخدامات كثيرًا ما تختلط في النقاش العام. التدريب يعني إدخال كميات كبيرة من النصوص أو الصور أو التسجيلات في عملية إحصائية تتعلم منها النماذج علاقات لغوية أو بصرية واحتمالات وأنماطًا. لا يعني ذلك بالضرورة أن النموذج يحتفظ بنسخة قابلة للاسترجاع من كل مادة، لكنه يعني عادة أن نسخًا من المواد جُمعت ونُظمت وعولجت في مراحل مختلفة. أما الفهرسة فهي تنظيم المحتوى كي يمكن البحث عنه. والاسترجاع يعني أن النظام، عند سؤال المستخدم، يبحث في مصادر حديثة أو محددة ثم يستخدمها لتوليد إجابة. والتلخيص أو الاقتباس أو إعادة الصياغة هي مخرجات قد تقترب أو تبتعد عن النص الأصلي بحسب التصميم والقيود.
ويكتسب هذا التمييز أهمية قانونية وعملية؛ لأن كل صورة من صور الاستخدام تثير أسئلة مختلفة. فإدخال مقال كامل ضمن بيانات التدريب يطرح مسألة الحق في نسخ المصنف أو إعادة إنتاجه، بينما يثير استخدامه داخل نظام استرجاع تجاري أسئلة تتعلق بالترخيص والتعويض والإحالة إلى المصدر. وإذا قدّم النظام ملخصًا يغني المستخدم عن الرجوع إلى التحقيق الأصلي، فقد تظهر مسألة تأثير هذا الاستخدام في سوق العمل الصحفي الأصلي وقدرته على المنافسة. وفي المقابل، قد يكون الاقتباس المحدود لأغراض النقد أو التعليم أو الإخبار مشروعًا في كثير من الأطر القانونية، متى ظل في حدود معقولة ونُسب إلى مصدره. لذلك لا يمكن التعامل مع كل استخدام للمحتوى باعتباره اعتداءً، كما لا يمكن افتراض أن استخدام محتوى متاح على الإنترنت في التعلم الآلي يقع تلقائيًا خارج نطاق الأسئلة القانونية والحقوقية.
يمكن توضيح ذلك بمثال عملي. إذا استخدم نموذج لغوي آلاف المقالات القديمة لاستخلاص أنماط لغوية عامة، فقد يدور الجدل حول ما إذا كان النسخ اللازم للتدريب استغلالًا يحتاج إلى ترخيص أو يدخل ضمن استثناء. أما إذا كان المنتج يجيب على سؤال عن تحقيق منشور حديثًا مستندًا إلى نظام استرجاع، ويعرض خلاصة تفصيلية للنقاط والوثائق والاستنتاجات، فإن النزاع يصبح أقرب إلى إحلال وظيفي محل المادة الأصلية. وإذا كان الاستخدام يتعلق ببيانات انتخابية أو مالية مرخصة في وقت شبه فوري، فنحن أمام سوق بيانات تشغيلية، لا مجرد التدريب على بيانات سابقة .
وتزداد الصعوبة لأن صاحب الحق قد لا يعرف ما إذا كانت مادته دخلت في التدريب. حتى لو أتاحت الشركة أداة اعتراض لاحقة، قد تكون البيانات قد جُمعت فعلًا أو انتقلت إلى نسخ وسيطة أو استخدمت في نماذج سابقة. لذلك لا تكفي آليات الانسحاب إذا اقتصرت على المستقبل، ولا تكفي عبارات عامة عن احترام حقوق الملكية دون شفافية بشأن فئات البيانات، ومصادرها، وطريقة احترام الإشارات التقنية التي تمنع الزحف، وآليات حذف أو استبعاد المحتوى عند الاعتراض.
وعند تشغيل الأنظمة، يختلف الأثر بحسب تصميم الواجهة. فالنظام الذي يجيب عن سؤال عام مع روابط واضحة ومقتطفات محدودة لا يساوي نظامًا يعرض ملخصًا طويلًا للمادة المدفوعة أو يجيب عن أسئلة المستخدم على نحو يستنفد قيمة التحقيق. لذلك يجب أن تنتقل السياسات من ثنائية “مسموح/ممنوع” إلى اختبار متعدد العناصر: حجم الجزء المستخدم، طبيعة المصدر، الغرض التجاري، درجة الإحلال محل المادة الأصلية، وجود ترخيص أو اعتراض، ومدى وضوح الإحالة.
خصوصية المحتوى الصحفي
يختلف المحتوى الصحفي عن كثير من محتوى الإنترنت في أنه يتصل مباشرة بإنتاج معرفة عامة حديثة. فالقيمة ليست في الكلمات وحدها، بل في الوصول إلى مصدر، والتحقق من واقعة، وربط وثيقة بسياقها، واتخاذ قرار تحريري بشأن ما يستحق النشر وما لا يستحق. ولهذا، عندما تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخبار والتحقيقات لتقديم إجابات فورية، فإنها تستفيد من سلسلة عمل لا تظهر للمستخدم النهائي.
للمحتوى الصحفي أيضًا قيمة زمنية خاصة. فالخبر الحديث يفقد جزءًا من قيمته بسرعة، بينما يكون الطلب عليه في لحظة النشر عاليًا. إذا استطاع نظام إجابة أن يلتقط جوهر الخبر فور نشره ويقدمه للمستخدمين دون زيارات كافية للمصدر، فإن الأثر لا يقع فقط على الحق في نسخ المصنف أو إعادة إنتاجه، بل على نموذج التمويل نفسه. وقد أظهرت بيانات مركز بيو للأبحاث أن ظهور ملخصات الذكاء الاصطناعي في Google ارتبط بانخفاض النقر على نتائج البحث التقليدية من 15% إلى 8%، مع اقتصار الدراسة على مستخدمين في الولايات المتحدة، بينما توقع ناشرو الأخبار الذين شملهم تقرير معهد رويترز لعام 2026 انخفاض الزيارات القادمة من محركات البحث بنحو 43% خلال السنوات الثلاث التالية، وهي توقعات تعكس مخاوف الصناعة من تأثير البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي ولا تمثل تقديرًا مؤكدًا للانخفاض الفعلي.
وتوضح اتفاقات حديثة بين المؤسسات الصحفية وشركات الذكاء الاصطناعي أن القيمة الاقتصادية للمحتوى الصحفي لا تقتصر على الأرشيفات النصية. ففي مايو 2026 أعلنت وكالة أسوشيتد برس أنها ستوفر لـOpenAI بيانات نتائج الانتخابات الأمريكية للسباقات القومية وعلى مستوى الولايات وبعض السباقات المحلية في المدن الكبرى، على أن يستمر توفير هذه البيانات حتى الانتخابات العامة لعام 2028. ويشير هذا النموذج إلى أن البيانات الصحفية الموثوقة والحديثة، بما في ذلك التدفقات المستمرة من المعلومات التي يجري تحديثها أثناء الأحداث، يمكن أن تكون محل اتفاقات مباشرة بين منتجي المحتوى ومزودي أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويثير ذلك سؤالًا أوسع حول تفاوت القدرة التفاوضية داخل القطاع الصحفي: فإذا أمكن لبعض المؤسسات الكبيرة إبرام اتفاقات مباشرة بشأن استخدام بياناتها ومحتواها، فكيف يمكن ضمان قدر أكبر من الشفافية وشروط الاستخدام المنصفة وإتاحة آليات مناسبة للمقابل أو الترخيص للمؤسسات الصحفية الأصغر التي لا تملك القوة التفاوضية نفسها؟
وتزداد الحساسية عند التعامل مع المصادر والمواد غير المنشورة. فالصحفي قد يستخدم أداة ذكاء اصطناعي لتفريغ مقابلة، أو تلخيص وثيقة مسربة، أو ترتيب ملاحظات تحقيق. إذا كانت الأداة تحتفظ بالمدخلات أو تستخدمها في تحسين خدماتها أو تنقلها عبر الحدود، فقد تتحول الأداة إلى قناة غير مقصودة لكشف مصدر أو بيانات شخصية أو معلومات لم تُتخذ بعد بشأن نشرها. لذلك لا يكفي التركيز على أرشيفات المواد المنشورة؛ يجب أن تشمل الحماية سير العمل الصحفي قبل النشر وبعده.
خريطة الحقوق والمصالح المتداخلة
لا يوجد طرف واحد يملك كل المصلحة أو كل الحق. الصحفي له مصلحة في نسبة العمل إليه، وحماية سلامته من التحريف، والحصول على مقابل عادل عندما تتحول مادته إلى أصل اقتصادي جديد. والمصور أو الرسام أو منتج الفيديو قد تكون له حقوق مستقلة لا تذوب في حق المؤسسة. والمؤسسة الصحفية تحتاج إلى حماية أرشيفها واستدامة تمويلها حتى تستطيع الاستمرار في إنتاج الصحافة. والناشرون الكبار قد يملكون قدرة تفاوضية أعلى من المؤسسات الصغيرة، وهو ما قد يحول سوق الترخيص إلى قناة جديدة لتركيز القوة.
وتصبح الخريطة أكثر تعقيدًا عندما تكون المادة الصحفية عملًا مركبًا. فالتقرير الواحد قد يضم نص محرر، وصور مصور مستقل، وبيانات حصل عليها فريق بحث، ورسومًا من مصمم، ومقابلات مع مصادر اشترطت حدودًا للاستخدام، وتحريرًا قانونيًا من المؤسسة. لذلك فإن ترخيص “الأرشيف” بوصفه كتلة واحدة قد يخفي طبقات متعددة من الحقوق. السياسة العادلة يجب أن تسأل: من ساهم؟ ما الحق الذي انتقل؟ هل كان الانتقال مكتوبًا ومحددًا؟ وهل يشمل الاستخدام الجديد تدريبًا وتشغيلًا وتوليدًا أم مجرد نشر أصلي؟
للمستخدم والجمهور مصلحة مختلفة: الوصول إلى المعرفة، وتلقي إجابات دقيقة، ومعرفة مصادر المعلومات، والقدرة على الانتقال إلى النص الأصلي للتحقق أو قراءة السياق الكامل. أما شركات الذكاء الاصطناعي فلها مصلحة في الوصول إلى بيانات موثوقة وحديثة لتحسين منتجاتها، لكنها لا تستطيع أن تطلب حرية الوصول التجاري الكامل دون شفافية أو مسؤولية أو مساهمة عادلة في كلفة منظومة المعرفة التي تعتمد عليها.
المصدر الصحفي طرف غائب في كثير من النقاش. فقد تكون المادة المنشورة مبنية على ثقة أو سرية أو شروط محددة. إعادة استخدام المادة أو إدخالها في أدوات تحليل عامة قد يخلق مخاطر على المصدر حتى لو كان النص نفسه منشورًا. وتزداد هذه المخاطر في البيئات التي يتعرض فيها الصحفيون والمصادر لضغوط قانونية أو أمنية أو اجتماعية.
حقوق الصحفيين داخل العلاقة التعاقدية
ينبغي ألا تنطلق أي سياسة من افتراض أن المؤسسة الصحفية تملك جميع الحقوق على كل ما نشرته لمجرد أن المحتوى ظهر عبر منصاتها. فقانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 يعرف المؤلف، كأصل عام، بأنه الشخص الذي ابتكر المصنف، ويقرر له حقوقًا أدبية أبدية غير قابلة للتقادم أو التنازل، من بينها الحق في نسبة المصنف إليه والاعتراض على تشويهه أو تحريفه. كما يشترط القانون في نقل الحقوق المالية أن يكون التصرف مكتوبًا، وأن يحدد صراحة وبالتفصيل كل حق محل التصرف ومداه والغرض منه ومدة استغلاله ومكانه، مع بقاء الحقوق التي لم يتنازل عنها المؤلف صراحة في ملكه.
وتكتسب هذه القواعد أهمية مباشرة عند التفكير في ترخيص الأرشيفات الصحفية لاستخدامها في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فإذا كان العقد المبرم مع الصحفي أو المصور يمنح المؤسسة حقوقًا محددة في نشر العمل أو استغلاله عبر وسائل معينة، فلا يكفي مجرد وجود هذا الترخيص للقول تلقائيًا إنه يشمل صورًا أخرى من الاستخدام، مثل استخدام المصنف في تدريب نموذج تجاري أو إدخاله في نظام استرجاع وتوليد، ما لم يسمح نطاق الحقوق المنقولة وصياغة العقد بذلك. ويظل تحديد هذه المسألة مرتبطًا بطبيعة المصنف، وبنطاق الحقوق التي انتقلت فعليًا إلى المؤسسة، وبما إذا كان العمل يندرج ضمن الحالات الخاصة التي ينظمها القانون، مثل المصنفات الجماعية.
ينبغي أيضًا التفريق بين المصنف الجماعي الذي تنسقه مؤسسة وتتحمل مسؤوليته وبين المساهمة الفردية القابلة للتمييز. فحتى عندما تتمتع المؤسسة بحقوق على العدد أو الموقع أو قاعدة الأرشيف، لا يعني ذلك بالضرورة أنها تملك كل الحقوق المالية في كل مساهمة منفصلة خارج نطاق ما اتُفق عليه. هذه النقطة حاسمة في الصحافة، لأن العمل المنشور قد يبدو للقارئ جزءًا من منتج مؤسسي واحد، بينما يقوم قانون الحقوق عادة على تحديد أصحاب المساهمات وما انتقل منها بعقد صريح.
تثير العقود القديمة إشكالية خاصة. فكثير من عقود العمل أو التكليف صيغت قبل ظهور الاستخدامات الحالية للذكاء الاصطناعي. وقد تتضمن عبارات عامة مثل “جميع الحقوق الرقمية” أو “أي وسيلة حالية أو مستقبلية”. ينبغي تفسير هذه العبارات في ضوء مبدأ التحديد، وفي ضوء التوازن بين طرف قوي مؤسسي وطرف فردي قد لا يملك قدرة تفاوضية حقيقية. وكلما كان الاستخدام الجديد مستقلًا اقتصاديًا عن النشر الصحفي الأصلي، زادت الحاجة إلى موافقة واضحة أو مقابل إضافي أو على الأقل إخطار وتمكين من الاعتراض.
تتضاعف المشكلة لدى الصحفيين المستقلين والمصورين والعاملين بعقود شفوية أو بنظام القطعة. قد تنشر المؤسسة المادة بمقابل محدود، ثم ترخص لاحقًا أرشيفًا كبيرًا يشمل صورًا ونصوصًا وبيانات دون إبلاغ أصحاب المساهمات. في هذه الحالة لا تكفي حماية المؤسسة بوصفها ناشرًا، لأن العدالة تقتضي توزيعًا شفافًا للعائد عندما تكون القيمة المرخصة مستمدة من أعمال أشخاص محددين. لذلك يجب أن تتضمن أي صفقات ترخيص بنودًا داخلية تكشف فئات الأعمال المشمولة، والأساس القانوني لحق المؤسسة في الترخيص، وطريقة تخصيص نسبة للصحفيين والمصورين عندما لا يكون التنازل السابق واضحًا وكافيًا.
من الناحية العملية، ينبغي أن تتحول هذه المبادئ إلى بنود تعاقدية محددة. فالعقد الصحفي الجديد يجب أن يذكر صراحة ما إذا كان يجيز تدريب نماذج ذكاء اصطناعي أو تشغيل أنظمة استرجاع وإجابة، وما إذا كان الترخيص داخليًا لاستخدام المؤسسة أم خارجيًا لشركات ثالثة، وما مدة الترخيص ونطاقه الجغرافي، وهل يشمل الصور والمواد الخام والبيانات المصاحبة. ويجب أن يكون الغموض في هذه المسائل لمصلحة التفسير الضيق، لا لمصلحة التوسع في حقوق المؤسسة.
كما ينبغي التمييز بين الترخيص لاستخدام الأرشيف وبين الترخيص لاستخدام السمعة المهنية. فحتى لو جاز استخدام نصوص منشورة ضمن قاعدة مرخصة، لا يعني ذلك جواز بناء “مساعد” يحمل اسم صحفي معين أو يقلد طريقته أو يوحي بأن المؤسسة أو الكاتب يزكي المخرجات. مثل هذا الاستخدام يمس الثقة العامة في الصحافة، وقد يخلق مسؤولية مهنية عن محتوى لم يراجعه الصحفي أو المؤسسة.
هناك أيضًا خطر تقليد أسلوب الكاتب. حماية الأسلوب المجرد ليست مطلقة في قانون حق المؤلف، لكن استخدام اسم صحفي أو أرشيفه لإنتاج نصوص تبدو كأنها له قد يمس حقه الأدبي وسمعته المهنية، وقد يضلل الجمهور. لذلك ينبغي حظر استخدام أسماء الصحفيين أو صورهم أو توقيعاتهم المهنية في توليد محتوى يوحي بمشاركتهم دون موافقة صريحة، حتى في الحالات التي تكون فيها المؤسسة قد رخصت نصوصًا منشورة.
أثر الاستخدام على استدامة الصحافة
يجب التعامل بحذر مع العلاقة بين أدوات الذكاء الاصطناعي وانخفاض زيارات المواقع. ليست كل خسارة في الزيارات ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، وليست كل إجابة آلية تمنع المستخدم من قراءة المصدر. لكن المؤشرات المتاحة تبرر القلق. فعندما تزداد الإجابات المباشرة وتتوسع الملخصات التي تعرض فوق النتائج التقليدية، قد تتراجع قيمة الرابط بوصفه قناة للانتقال إلى المؤسسة الصحفية. وإذا انخفضت الزيارات، تتأثر الإعلانات والاشتراكات والقدرة على جمع بيانات الجمهور، وهي عناصر يعتمد عليها كثير من الناشرين.
تتطلب الدقة هنا التمييز بين ثلاثة أنواع من الأدلة. النوع الأول بيانات سلوكية تقيس النقرات فعليًا، مثل تحليل مركز بيو لنتائج البحث المصحوبة بملخصات ذكاء اصطناعي. النوع الثاني استطلاعات رأي وسلوك معلن، مثل بيانات معهد رويترز عن النقر من روبوتات المحادثة إلى المصادر الأصلية، حيث يقول 42% من مستخدمي روبوتات المحادثة للأخبار إنهم ينقرون دائمًا أو غالبًا إلى المصدر، مع تفاوت كبير بين الأسواق. النوع الثالث تقديرات الناشرين ومخاوفهم التجارية. لا ينبغي الخلط بين هذه الأنواع، لكن اجتماعها يكفي لتبرير تدخل سياساتي وقائي متدرج بدل انتظار انهيار نموذج الوصول المباشر.
الأثر ليس متساويًا. المؤسسة الكبيرة قد تفاوض على صفقة ترخيص مع شركة تقنية، وقد تمتلك موارد قانونية وتقنية لضبط الزحف أو بناء منتجات بديلة. أما الموقع المحلي أو المستقل أو المتخصص فقد لا يعرف أصلًا أن محتواه استُخدم، ولا يملك فريقًا تفاوضيًا أو قانونيًا، وقد يعتمد على زيارات محدودة تكفي بالكاد للاستمرار. لذلك قد يؤدي سوق الترخيص الحر، إذا تُرك بالكامل للمفاوضات الثنائية، إلى مكافأة من يملكون القوة مسبقًا وترك المنتجين الأصغر خارج الاقتصاد الجديد.
في السياق المصري، يضاف إلى ذلك أن عددًا من المؤسسات يعمل في بيئة اقتصادية وتنظيمية هشة، مع اعتماد كبير على المنصات ومحركات البحث للوصول إلى الجمهور. ولا تتوفر بيانات عامة كافية عن حجم الزيارات الآتية من أنظمة الإجابة أو عن صفقات ترخيص مصرية بين ناشرين وشركات ذكاء اصطناعي. هذا الغياب في ذاته مشكلة؛ لأنه يجعل النقاش إما منقولًا من أسواق أخرى أو محكومًا بانطباعات غير قابلة للتحقق.
تمتد المخاطر إلى التنوع الإعلامي. إذا تراجعت العوائد عن الصحافة المكلفة، مثل التحقيقات أو التغطية المحلية أو صحافة البيانات، فقد تميل المؤسسات إلى إنتاج مواد سهلة وسريعة أو إلى الاعتماد على محتوى مولد منخفض الكلفة. وحينها لا تكون المشكلة فقط خسارة مالية لمؤسسات معينة، بل إضعافًا للبنية التي تتيح للجمهور معرفة موثوقة ومساءلة للسلطة والأسواق. ومن زاوية حقوقية، ترتبط الاستدامة المالية بالاستقلال التحريري؛ فالمؤسسة الأضعف ماليًا تصبح أكثر قابلية للضغوط السياسية والإعلانية والمنصاتية.
التحليل القانوني المقارن
يقدم الاتحاد الأوروبي نموذجًا أكثر تحديدًا من كثير من الأطر الأخرى، وإن ظل غير خالٍ من الإشكاليات. فقد أقر توجيه حق المؤلف في السوق الرقمية الموحدة لعام 2019 استثناءين للتنقيب في النصوص والبيانات: أولهما مخصص للبحث العلمي بواسطة جهات محددة، والثاني أوسع نطاقًا، لكنه يتيح لأصحاب الحقوق التحفظ صراحةً على استخدام مصنفاتهم، على أن يتم ذلك بطريقة مناسبة، ومن بينها الوسائل القابلة للقراءة آليًا بالنسبة إلى المحتوى المتاح على الإنترنت. ثم جاء قانون الذكاء الاصطناعي لعام 2024 ليضيف التزامات على مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة، من بينها وضع سياسة للامتثال لقواعد الاتحاد المتعلقة بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة واحترام تحفظات أصحاب الحقوق، إلى جانب نشر ملخص مفصل بما يكفي عن المحتوى المستخدم في تدريب النماذج وفق نموذج تضعه المفوضية الأوروبية.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يجمع بين قواعد سابقة على الذكاء الاصطناعي تنظم التنقيب في النصوص والبيانات، والتزامات لاحقة تفرض قدرًا من الشفافية على مزودي النماذج. ومع ذلك، لا يحسم هذا الإطار بمفرده مسائل التعويض أو توزيع العائد بين المؤسسات الصحفية والصحفيين والمصورين، كما يترك أسئلة عملية مفتوحة: إلى أي مدى تستطيع المواقع والمؤسسات الصغيرة التعبير عن تحفظها بطريقة قابلة للقراءة آليًا وفعالة؟ وما مستوى التفصيل الذي يتيح لصاحب الحق فهم طبيعة المحتوى المستخدم في التدريب؟ وهل يكفي نشر ملخص عام وسياسة للامتثال إذا لم يكن من الممكن معرفة ما إذا كان مصنف بعينه قد استُخدم أصلًا؟ ومن ثم، لا يبدو نقل النموذج الأوروبي إلى مصر بوصفه قالبًا جاهزًا هو الخيار الأنسب؛ بل يمكن الاستفادة منه في وضع حد أدنى للشفافية واحترام تحفظات أصحاب الحقوق، مع تصميم الاستثناءات والضمانات بما لا يقيّد بصورة غير مبررة البحث العلمي أو النقد أو الاستخدامات المشروعة الأخرى.
في الولايات المتحدة، يدور جانب رئيسي من النقاش حول مدى انطباق معيار الاستخدام العادل على استخدام المصنفات المحمية في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتظهر القضايا الحديثة أن النتيجة تعتمد بدرجة كبيرة على ظروف كل حالة. ففي قضية Thomson Reuters ضد Ross Intelligence، رفضت محكمة اتحادية دفاع الاستخدام العادل في سياق استخدام مواد مشتقة من محتوى Westlaw لتدريب أداة بحث قانونية تنافس المنتج الأصلي، مع ملاحظة أن القضية لم تكن تتعلق بنموذج ذكاء اصطناعي توليدي.
وفي قضية Bartz ضد Anthropic، اعتبرت المحكمة أن استخدام الكتب في تدريب النماذج يمكن أن يكون استخدامًا تحويليًا في ظروف القضية، لكنها فرقت بين التدريب وبين الحصول على نسخ مقرصنة والاحتفاظ بها في مكتبة دائمة. وأقرت المحكمة نهائيًا في 2026 تسوية جماعية كبيرة تتعلق بالكتب التي حصلت عليها Anthropic من مواقع قرصنة، بما يوضح أن مصدر النسخ وطريقة الحصول عليها قد يظلان عنصرين مستقلين عن مشروعية استخدام المحتوى في التدريب نفسه.
أما دعوى نيويورك تايمز ضد OpenAI ومايكروسوفت، فما تزال من أبرز النزاعات التي تضع المحتوى الصحفي في قلب الجدل الأمريكي. وتتعلق الادعاءات فيها باستخدام مواد محمية في التدريب، وبإمكان ظهور مخرجات تعيد إنتاج أجزاء من المحتوى أو تؤدي وظيفة قد تنافس الوصول إلى المصدر الأصلي، وبالأثر المحتمل لذلك على سوق الصحيفة والترخيص والاشتراكات. ولا تزال هذه المسائل محل نزاع قضائي، ولم يصدر فيها حتى الآن حكم نهائي يقرر قاعدة عامة تنطبق على استخدام المحتوى الصحفي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتوضح هذه القضايا أن اختزال النقاش في سؤال «هل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي استخدام عادل؟» لا يكفي لفهم التعقيد القانوني للمسألة. فتقييم الاستخدام العادل في القانون الأمريكي يجري على أساس ظروف كل حالة، ويشمل النظر في غرض الاستخدام وطبيعته، وطبيعة المصنف المستخدم، وحجم ما أُخذ منه، وأثر الاستخدام في السوق الحالية أو المحتملة للمصنف. كما أظهرت بعض نزاعات الذكاء الاصطناعي الحديثة أن طريقة الحصول على النسخ، وإمكان إعادة إنتاج أجزاء من المصنف، ومدى منافسة المنتج الجديد للسوق الأصلية، قد تؤثر في التقييم القانوني بحسب وقائع كل قضية.
ومن ثم، لا يبدو من المناسب استنساخ معيار الاستخدام العادل الأمريكي مباشرةً في الإطار المصري. فهو معيار مرن تطور داخل نظام قانوني وقضائي مختلف، ويعتمد بدرجة كبيرة على الموازنة القضائية بين عوامل متعددة وعلى وقائع كل حالة، بما قد يحد من قدرته على توفير قواعد مسبقة وواضحة لأصحاب الحقوق والمؤسسات الصحفية الصغيرة. والأجدى هو الاستفادة من بعض عناصره، مثل مراعاة الغرض من الاستخدام وأثره في السوق، ضمن إطار أكثر وضوحًا يحدد الحقوق والاستثناءات والالتزامات بصورة قابلة للتطبيق.
في المملكة المتحدة، يبرز مسار مختلف يقوم على محاولة الموازنة بين حماية أصحاب الحقوق ودعم تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي. فقد تناول تقرير الحكومة البريطانية المنشور في مارس 2026 مجموعة من الأدوات والخيارات، شملت قواعد حقوق المؤلف، والترخيص، والشفافية بشأن استخدام المصنفات، والأدوات والمعايير التقنية التي تمكّن أصحاب الحقوق من التحكم في استخدام أعمالهم، إلى جانب قضايا الإنفاذ وأثر نظام حقوق المؤلف في وصول مطوري الذكاء الاصطناعي إلى البيانات. وتكمن أهمية هذه التجربة بالنسبة إلى مصر في إدراك أن معالجة المسألة لا تعتمد بالضرورة على تعديل تشريعي واحد، بل قد تتطلب مزيجًا من القواعد القانونية والشفافية وآليات الترخيص والأدوات التقنية وضمانات الإنفاذ، مع مراعاة تفاوت القدرة التفاوضية بين الشركات الكبرى وأصحاب الحقوق والمؤسسات الأصغر.
كما تكشف قضية Getty Images ضد Stability AI عن اتساع نطاق قضايا الملكية الفكرية التي يمكن أن تثيرها أنظمة الذكاء الاصطناعي خارج المحتوى النصي وحده. فقد شملت الدعوى في مراحلها المختلفة ادعاءات متعلقة باستخدام الصور في تطوير النظام، وحقوق قواعد البيانات، وحقوق المؤلف والعلامات التجارية، بينما انتهى الحكم الإنجليزي الصادر في 2025 إلى رفض دعوى الانتهاك الثانوي لحقوق المؤلف وإثبات حالات محدودة من انتهاك العلامات التجارية في بعض المخرجات. ولم تحسم المحكمة في هذا الحكم مشروعية استخدام صور Getty في تدريب النموذج ذاته، بعد التخلي عن المطالب الأساسية المتعلقة بالتدريب أثناء المحاكمة. ومع ذلك، تظل القضية مثالًا مهمًا على أن النقاش لا ينبغي أن يُبنى حول «المقال» وحده؛ فالعمل الصحفي يشمل كذلك الصور والفيديو والرسوم وقواعد البيانات وغيرها من المواد البصرية، وهي مواد قد تثير حقوقًا ومصالح مستقلة ينبغي أن تراعيها أي سياسة مقترحة.
الإطار القانوني المصري
يوفر قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 أساسًا مهمًا لتحليل استخدام المحتوى الصحفي في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فهو يحمي، متى توافرت شروط الحماية، المقالات وغيرها من المصنفات المكتوبة، وقواعد البيانات، والمصنفات الفوتوغرافية والسمعية والبصرية. وفي المقابل، يستبعد الأفكار والإجراءات وأساليب العمل والمفاهيم والمبادئ والاكتشافات والبيانات في ذاتها من الحماية، مع إمكان حماية المجموعات إذا تميز جمعها بالابتكار في الترتيب أو العرض أو بمجهود شخصي جدير بالحماية.
ويعرّف القانون النسخ تعريفًا واسعًا يشمل التخزين الإلكتروني الدائم أو المؤقت للمصنف، كما يمنح المؤلف حقًا استئثاريًا في الترخيص أو المنع لمختلف صور استغلال مصنفه، ومنها النسخ والإتاحة للجمهور، بما في ذلك الإتاحة عبر الحاسب والإنترنت وشبكات المعلومات والاتصالات. ومن ثم، يمكن أن تثير بعض مراحل جمع المحتوى وتخزينه وتجهيزه لاستخدامه في أنظمة الذكاء الاصطناعي مسائل تتعلق بحق النسخ، بينما قد تثار حقوق أخرى، مثل الإتاحة للجمهور، بحسب الطريقة التي يستخدم بها النظام المصنف أو يعرضه للمستخدمين. ومع ذلك، لا يتضمن القانون حكمًا خاصًا يحدد متى يكون استخدام المصنفات في تدريب النماذج أو أنظمة الاسترجاع والتوليد مشروعًا أو محتاجًا إلى ترخيص.
ولا ينبغي في المقابل المبالغة في قدرة القواعد القائمة على حسم هذه المسائل. فالقانون يمكن أن يوفر أساسًا لمطالب أصحاب الحقوق، لكنه لا يجيب بصورة مباشرة عن أسئلة مستجدة، مثل الأثر القانوني لتحفظ صاحب الموقع على وصول برامج الجمع الآلي إلى محتواه، أو مدى الحاجة إلى ترخيص مستقل عندما تستخدم المادة لتحسين نموذج لا يعرض النص الأصلي للمستخدم، أو كيفية إثبات دخول محتوى مؤسسة بعينها في مجموعة تدريب. كما تزداد المسألة تعقيدًا عندما يكون مزود النظام خارج مصر، بما يثير أسئلة تتعلق بالاختصاص الدولي والقانون الواجب التطبيق، إلى جانب اختصاص المحاكم الاقتصادية بالمنازعات الناشئة عن تطبيق قانون الملكية الفكرية داخل الإطار القضائي المصري.
وفي الوقت نفسه، يتضمن القانون مجموعة من الاستثناءات الضرورية لتحقيق التوازن بين حقوق المؤلف وحرية تداول المعرفة، منها النسخ الشخصي في نطاق محدود، وإجراء دراسات تحليلية للمصنف واستخدام مقتطفات أو اقتباسات منه لأغراض النقد أو المناقشة أو الإعلام، وبعض صور الاستخدام لأغراض التدريس، فضلًا عن حالات محددة للنسخ بواسطة دور الوثائق أو المحفوظات والمكتبات غير الهادفة للربح لأغراض الدراسة أو البحث أو الحفظ. كما يقرر استثناءً محدودًا لبعض صور النسخ المؤقت المرتبطة بالبث الرقمي أو استقبال المصنفات المخزنة رقميًا.
غير أن هذه الاستثناءات وُضعت لحالات محددة ومقيدة، ولا تتضمن استثناءً عامًا للتنقيب في النصوص والبيانات أو لاستخدام المصنفات على نطاق واسع في تدريب نماذج تجارية. ومن ثم، تبدو الحاجة قائمة إلى قدر محدود من التوضيح التشريعي أو التفسيري يميز بين الاستخدامات البحثية والتعليمية والمحدودة، والاستخدامات التجارية واسعة النطاق، والاستخدامات التي قد تقدم للمستخدم بديلًا فعليًا عن الوصول إلى المادة الأصلية، من دون المساس بالاستثناءات القائمة التي تحمي النقد والتعليم والبحث وحرية تداول المعلومات.
أما قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، فينظم الصحف والوسائل الإعلامية والمواقع الإلكترونية، ويقرر كأصل عام حرية الصحافة والإعلام والطباعة والنشر الورقي والإلكتروني، مع منحه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام اختصاصات تتعلق بالترخيص والجزاءات والتدابير الإدارية، وبالوقف أو الحجب في حالات يحددها القانون. ومن ثم، ينبغي الحذر عند تصميم أي إطار جديد لاستخدام المحتوى الصحفي في أنظمة الذكاء الاصطناعي من تحويل المجلس إلى جهة تمنح موافقات مسبقة على استخدام المحتوى أو تراقب مختلف صور استخدامه. ومن منظور السياسات العامة، يمكن أن يتركز دوره، إذا أُسند إليه دور في هذا المجال، في إصدار إرشادات مهنية وغير رقابية، وجمع معلومات عن أثر أنظمة البحث والإجابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الوصول إلى المحتوى الصحفي، وتشجيع نماذج تعاقد وترخيص أكثر عدلًا، بدلًا من إنشاء نظام جديد للترخيص المسبق للمحتوى أو قوائم مركزية قد تتحول إلى أداة إضافية لضبط المجال الرقمي.
كما ينبغي ألا تؤدي حماية المحتوى الصحفي في مواجهة استخدامات الذكاء الاصطناعي إلى إنشاء متطلبات تنظيمية جديدة تجعل التمتع بالحماية مشروطًا بالتسجيل لدى جهة إدارية أو الحصول على موافقة مسبقة. فمثل هذه المتطلبات قد تفرض عبئًا أكبر على المؤسسات الصحفية الأصغر والأقل قدرة على الامتثال والتفاوض. والأصل أن تنشأ الحماية المقررة للمصنف متى توافرت شروطها القانونية، بينما تحدد العقود نطاق الحقوق التي انتقلت إلى المؤسسة أو رُخص لها باستغلالها. ومن ثم، ينبغي ألا يكون إدراج العمل في سجل أو قائمة رسمية شرطًا لاكتساب الحماية أو الاحتجاج بها في مواجهة استخدامات الذكاء الاصطناعي.
يضيف قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 زاوية مختلفة إلى مسألة استخدام المحتوى الصحفي في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فهو ينظم معالجة البيانات الشخصية إلكترونيًا، ويضع التزامات على المتحكم والمعالج تتعلق بمشروعية الغرض من المعالجة، وأمن البيانات، وعدم تجاوز الغرض الذي جُمعت من أجله، وغيرها من الضمانات. ويستثني القانون من نطاق تطبيقه البيانات الشخصية التي تُعالج حصرًا للأغراض الإعلامية، بشرط أن تكون صحيحة ودقيقة وألا تُستخدم في أغراض أخرى، مع عدم الإخلال بالتشريعات المنظمة للصحافة والإعلام.
ولا ينبغي فهم هذا الاستثناء باعتباره تصريحًا عامًا بإعادة استخدام البيانات الشخصية الواردة في المواد الصحفية لأغراض مختلفة، مثل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو تطوير منتجات تجارية. فإذا انتقلت البيانات من غرض إعلامي أصلي إلى غرض تدريبي أو تقني مستقل، فقد تثار من جديد متطلبات تتعلق بمشروعية المعالجة والغرض منها ونطاقها وأمن البيانات.
وتزداد أهمية هذه الضمانات عند إدخال مواد غير منشورة أو مقابلات أو وثائق صحفية إلى أدوات ذكاء اصطناعي عامة، متى تضمنت بيانات شخصية أو بيانات حساسة. ففي هذه الحالات قد تثار التزامات إضافية تتعلق بأمن البيانات، وحدود استخدامها، ونقلها أو تخزينها خارج مصر، فضلًا عن واجبات الإبلاغ عند وقوع خرق أو انتهاك للبيانات. ومن ثم، لا ينبغي التعامل مع إدخال المواد الصحفية إلى أدوات الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد مسألة ملكية فكرية، إذ قد يثير كذلك التزامات مستقلة في مجال حماية البيانات الشخصية.
ويجب الانتباه إلى أن المواد الصحفية قد تحتوي على بيانات شخصية لأشخاص ليسوا مصادر سرية بالضرورة: ضحايا، شهود، موظفون عموميون، أطفال، أو أشخاص ظهروا في صور أو تسجيلات. إعادة معالجة هذه المواد على نطاق واسع قد تنتج سياقات جديدة أو روابط لم تكن ظاهرة في المادة الأصلية. لذلك ينبغي أن تُلزم سياسات الذكاء الاصطناعي بمبدأ تقليل البيانات، وأن تضع قواعد أشد عند التعامل مع المواد الحساسة أو الصور أو التسجيلات، خصوصًا عندما يكون الاستخدام في منتج تجاري عابر للحدود.
توجد أيضًا زاوية المنافسة. فإذا عقدت شركات الذكاء الاصطناعي صفقات حصرية أو شبه حصرية مع ناشرين كبار، أو اشترطت الوصول الواسع للمحتوى مقابل الظهور في الإجابات، فقد تتأثر المنافسة والتعددية. قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية يمكن أن يكون أداة مساندة عند وجود إساءة استعمال وضع مسيطر أو ترتيبات تمييزية، لكنه ليس بديلًا عن قواعد شفافية وترخيص عادلة في مجال الصحافة.
حماية المصادر والبيانات الصحفية
تتطلب حماية المصادر الانتقال من سؤال “هل يجوز للشركة أن تزحف على المحتوى المنشور؟” إلى سؤال “كيف تستخدم غرف الأخبار أدوات الذكاء الاصطناعي؟”. قد يضع صحفي مقابلة غير منشورة في أداة تفريغ أو تلخيص، أو يحمّل وثيقة تحتوي على بيانات شخصية لمصدر، أو يطلب من نموذج صياغة أسئلة بناءً على ملف تحقيق. إذا كانت شروط الخدمة تسمح بالاحتفاظ بالمدخلات أو استخدامها لتحسين النموذج، فقد يتعرض المصدر للخطر دون أن يدرك الصحفي ذلك.
لذلك ينبغي أن تعتمد المؤسسات الصحفية سياسات داخلية واضحة: منع إدخال أسماء المصادر السرية أو الوثائق غير المنشورة في أدوات عامة؛ استخدام أدوات مؤسسية لا تحتفظ بالمدخلات لأغراض التدريب إلا بموافقة صريحة؛ تصنيف المواد بحسب درجة السرية؛ تدريب الصحفيين على تقليل البيانات قبل استخدامها؛ وتحديد مسؤول داخلي لمراجعة عقود أدوات الذكاء الاصطناعي. لا ينبغي أن تتحول هذه السياسات إلى عبء على الصحفي الفرد وحده، بل إلى مسؤولية مؤسسية تتصل بسلامة العمل الصحفي.
وتقع مسؤولية موازية على شركات الذكاء الاصطناعي. يجب أن توفر إعدادات واضحة تمنع استخدام المدخلات في التدريب، وأن تشرح فترات الاحتفاظ، ومكان المعالجة، وإجراءات الحذف، وحدود السرية. كما يجب أن تميز بين الاستخدام الشخصي والاستخدام الصحفي المهني، وأن تتيح خيارات آمنة للمؤسسات الصغيرة لا تقتصر على الاشتراكات مرتفعة الثمن.
الحلول التنظيمية الممكنة ومخاطرها
لا يمكن اعتبار الحظر الكامل حلًا مناسبًا. فهو غير قابل للإنفاذ عمليًا، وقد يضر بالبحث والابتكار والوصول إلى المعرفة، وقد يمنح الجهات التنظيمية ذريعة لتوسيع الرقابة على الإنترنت. في المقابل، ترك الأمر للسوق وحدها يكرر اختلال القوة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وبين الناشرين الكبار والصحفيين والمستقلين.
لكن رفض الحظر لا يعني قبول الوصول المفتوح بلا شروط. النموذج الأكثر توازنًا هو “السماح المنظم”: يظل البحث غير التجاري والاقتباس والتحليل مشروعًا ضمن حدود واضحة، بينما تخضع الاستخدامات التجارية الواسعة لشفافية وترخيص أو مقابل أو احترام اعتراض. هذه الصياغة تقلل خطرين في وقت واحد: خطر خنق المعرفة إذا توسعت الحماية، وخطر استنزاف الصحافة إذا تُرك الاستخدام التجاري بلا ضوابط.
الترخيص الفردي يمنح صاحب الحق سيطرة واضحة، لكنه غير عملي مع ملايين المواد ومئات المؤسسات. أما الترخيص الجماعي الطوعي فيمكن أن يقلل كلفة التفاوض، بشرط أن يتضمن تمثيلًا حقيقيًا للمؤسسات الصغيرة والصحفيين والمصورين، وأن ينشر قواعد توزيع العائدات، وأن لا يتحول إلى احتكار جديد. ويمكن التفكير في حق قانوني في مقابل عادل للاستخدامات التجارية الواسعة، لكنه يجب أن يصاغ بدقة حتى لا يطال الاقتباس المشروع أو البحث غير التجاري أو الأرشفة العامة.
آليات الانسحاب والاعتراض مفيدة لكنها محدودة. يجب أن تكون سهلة ومقروءة آليًا، وأن تحترمها الشركات، وأن تمتد إلى أنظمة الاسترجاع والتدريب المستقبلي. لكنها لا تعالج دائمًا الاستخدامات السابقة ولا تمنح تعويضًا عن قيمة استخرجت بالفعل. كما أن الاعتماد على الوسوم التقنية وحدها يضع عبئًا غير متناسب على المؤسسات الصغيرة التي لا تملك خبرات تقنية.
الإحالة الإلزامية إلى المصدر ضرورية لكنها ليست كافية. يجب أن تكون الإحالة واضحة، قريبة من الإجابة، وتتيح الانتقال إلى المادة الأصلية، لكن الأهم هو منع تقديم بديل كامل عن المادة المدفوعة أو التحقيق الأصلي. وينبغي أن تصمم الأنظمة بحيث تعرض مقتطفات محدودة، وتدفع المستخدم إلى المصدر عند الحاجة إلى التفاصيل، وتمنع إعادة إنتاج جوهر المادة بطريقة تقلل الحاجة إليها.
واجبات الإفصاح عن بيانات التدريب تمثل حجر زاوية. غير أن الإفصاح لا يعني بالضرورة نشر قائمة كاملة بكل رابط أو مادة إذا كان ذلك مستحيلًا أو يمس أسرارًا مشروعة؛ بل يمكن البدء بملخصات كافية عن فئات المصادر، وسياسات الحصول على البيانات، وآليات احترام الاعتراض، ونسب تقريبية للمحتوى المرخص وغير المرخص وفئات المحتوى الصحفي. ويجب أن تكون هذه الملخصات قابلة للمراجعة من جهة مستقلة عند النزاع.
مخاطر الحلول غير المتوازنة
قد يؤدي تنظيم سيئ إلى نتائج عكسية. فإذا منح القانون المؤسسات الصحفية وحدها حق الترخيص والتعويض دون ضمان نصيب الصحفيين والمصورين، فإنه يحول الخلاف من استغلال خارجي إلى استغلال داخلي. وإذا صيغت حقوق النشر على نحو مطلق، فقد تُستخدم ضد الاقتباس والنقد والبحث والأرشفة، وهي استخدامات ضرورية للصحافة نفسها وللمجال العام.
ومن أمثلة التنظيم السيئ أيضًا تحميل المستخدم النهائي عبء معرفة مصدر كل إجابة آلية أو مدى قانونية كل مخرج. صحيح أن المستخدم يجب ألا يستغل أداة الذكاء الاصطناعي في انتهاك واضح، لكن العبء الأساسي ينبغي أن يقع على الشركات التي تجمع البيانات وتصمم المنتجات وتحقق الربح، وعلى المؤسسات التي ترخص الأرشيفات. أما الباحث أو القارئ أو الصحفي الذي يستخدم أداة عامة بحسن نية، فلا ينبغي أن يكون الحلقة الأضعف التي تتحمل مسؤولية غموض سلسلة البيانات.
هناك خطر آخر يتمثل في احتكار كبار الناشرين لعوائد الترخيص. فالصفقات الثنائية المعلنة بين شركات ذكاء اصطناعي وناشرين كبار تكشف أن السوق قادر على إنتاج قيمة مالية، لكنها لا تثبت عدالة توزيع هذه القيمة. قد يحصل الناشر الكبير على مقابل، بينما يتلقى الصحفي الذي أنتج المادة أجرًا سابقًا محدودًا، ولا تحصل المؤسسة الصغيرة على شيء. لذلك ينبغي ألا تعامل صفقات الترخيص بوصفها الحل الوحيد أو الدليل النهائي على كفاية السوق.
كذلك قد تمنح العقود الواسعة شركات التكنولوجيا غطاءً لاستخدامات غير شفافة. قد يوقع ناشر عقدًا يتيح استخدام أرشيف كامل، بما في ذلك مواد قد لا يملك كل حقوقها أو صور مستقلة أو أعمال مشتركة، دون إعلان كاف. وقد تُدرج بنود سرية تمنع معرفة المقابل أو طريقة توزيع العائد. لذلك يجب أن تتضمن السياسة حدًا أدنى من الشفافية التعاقدية عندما يتعلق الترخيص بأعمال صحفية جماعية أو مساهمات أفراد.
وأخيرًا، يجب رفض إنشاء قواعد بيانات مركزية إلزامية تضم كل أعمال الصحفيين أو مصادرهم كشرط للحماية. مثل هذا الحل قد يبدو إداريًا منظمًا، لكنه يحمل مخاطر على الخصوصية وسرية المصادر، وقد يتحول إلى أداة مراقبة أو ترخيص مسبق. الحماية يجب أن تنشأ من القانون ومن العقود العادلة ومن آليات الاعتراض، لا من اشتراط تسجيل مسبق لكل عمل.
الإطار المقترح لمصر
تقترح الورقة إطارًا يقوم على سبعة مبادئ. الأول هو التمييز بين الاستخدامات: التدريب التجاري الواسع ليس هو الاقتباس، والاسترجاع التشغيلي ليس هو الفهرسة، وتوليد بديل كامل ليس هو الإحالة. الثاني هو الشفافية: لا يمكن للصحفي أو المؤسسة أن يمارس حقًا لا يعرف أنه مُسّ. الثالث هو عدالة المقابل: عندما تستخرج الشركات قيمة اقتصادية مباشرة من أرشيفات صحفية، يجب أن توجد آلية عادلة لتقاسم هذه القيمة. الرابع هو حماية الصحفي داخل المؤسسة: لا يجوز أن تُستخدم حقوق المؤسسة لإسكات حقوق المساهمين الأصليين. الخامس هو حماية المؤسسات الصغيرة: يجب تقليل كلفة الاعتراض والتفاوض وتمكين الترخيص الجماعي أو الدعم الفني. السادس هو حماية المصادر والبيانات: المواد غير المنشورة والسرية يجب أن تخضع لحظر أو قيود أشد. السابع هو منع التنظيم من التحول إلى رقابة: أي دور للجهات العامة يجب أن يكون محدودًا وشفافًا وقابلًا للطعن.
ويمكن إضافة مبدأ ثامن هو قابلية القياس. فكل سياسة في هذا المجال ستظل ناقصة إذا لم تنتج بيانات دورية عن حجم الاستخدام وأثره. لذلك يجب أن يشمل الإطار مؤشرات مثل: نسبة الزيارات القادمة من محركات البحث وأنظمة الإجابة، معدلات النقر من الإجابات إلى المصادر، حجم الاعتراضات المقدمة والمقبولة، عدد صفقات الترخيص المعلنة، ونسبة العائدات التي وصلت إلى الصحفيين والمصورين. هذه المؤشرات لا تحل النزاع، لكنها تمنع بقاءه في مستوى الانطباعات.
يمكن تنفيذ هذا الإطار عبر مزيج من الأدوات. تشريعيًا، يمكن إضافة نص محدود إلى قانون الملكية الفكرية أو لائحته يوضح حكم التنقيب الآلي والتدريب التجاري، مع استثناءات للبحث غير التجاري والتحليل المحدود. تنظيميًا، يمكن إصدار دليل ممارسات بشأن عقود الترخيص والشفافية دون منح جهة إدارية سلطة منع المحتوى. تعاقديًا، يجب أن تتضمن صفقات الترخيص بنودًا عن نطاق الأعمال، وحقوق الصحفيين، ومنع استخدام المواد غير المنشورة، والإحالة، وحدود التلخيص. مهنيًا، يجب على النقابة والمؤسسات تطوير نماذج عقود جديدة تعالج استخدامات الذكاء الاصطناعي صراحة.
ويجب أن تكون أي آلية مستقلة لتسوية النزاعات منخفضة الكلفة وسريعة. فالنزاع النموذجي لن يكون دائمًا بين مؤسسة كبرى وشركة عالمية؛ قد يكون بين مصور مستقل ومؤسسة رخصت أرشيفًا بصريًا، أو بين موقع صغير ونظام إجابة يعيد تلخيص مواده يوميًا، أو بين صحفي ومساعد آلي ينتج نصوصًا باسمه أو بأسلوبه. لذلك يجب أن تتاح إجراءات إخطار واعتراض ومراجعة لا تتطلب تقاضيًا طويلًا أمام محاكم أجنبية.
ومن المهم ألا تتحول الشفافية إلى إفصاح شكلي. الملخصات العامة التي تقول إن النموذج تدرب على “محتوى متاح للجمهور” لا تمكن أصحاب الحقوق من تقييم موقفهم. المطلوب حد أدنى من التفصيل: فئات المواقع الصحفية، نطاقات زمنية تقريبية، ما إذا كانت المواد المدفوعة مشمولة، كيف تُحترم ملفات robots.txt أو الإشارات المكافئة، كيف يمكن الاعتراض، وهل تُستخدم بيانات المستخدمين والصحفيين المدخلة في تحسين النماذج. ويمكن حماية الأسرار التجارية من خلال مراجعة مستقلة أو إفصاح طبقي لا ينشر كل التفاصيل للعامة.
كما ينبغي أن تُبنى آلية المقابل على الاستخدام لا على مجرد الوجود على الإنترنت. فالناشر أو الصحفي لا يستحق مقابلًا عن كل قراءة بشرية أو اقتباس مشروع، لكنه يستحق حماية عندما تُنسخ أعماله على نطاق واسع لتدريب أو تشغيل منتج تجاري، أو عندما يقدم النظام بديلًا يقلل الحاجة إلى المصدر. ويمكن أن تتفاوت الالتزامات بحسب حجم الشركة، ونطاق الاستخدام، وطبيعة المحتوى، وما إذا كانت المادة مدفوعة أو مفتوحة، وما إذا كان هناك ترخيص قائم.
التوصيات
إلى المشرع المصري
-إدخال تعديل محدود في قانون حماية حقوق الملكية الفكرية أو لائحته يعرّف الاستخدام الآلي الواسع للمصنفات لأغراض التدريب أو التشغيل التجاري، ويميزه عن الاقتباس والتحليل والاستخدام البحثي غير التجاري. وينبغي أن يتضمن النص حقًا في الاعتراض أو الترخيص أو المقابل العادل عند الاستخدام التجاري واسع النطاق، دون إنشاء ترخيص مسبق للمحتوى الصحفي أو تقييد الاقتباس المشروع.
-إضافة ضمانة تفسيرية تنص على أن أي تنازل عام عن الحقوق الرقمية لا يفسر، بذاته، باعتباره موافقة على تدريب نماذج ذكاء اصطناعي أو تشغيل أنظمة تجارية للإجابة، ما لم يرد ذلك صراحة أو يثبت أن المقابل شمل هذا الاستخدام. هذه القاعدة لا تمنع التعاقد، لكنها تجبر الأطراف الأقوى على الوضوح.
-النص صراحة على أن ترخيص المؤسسة لأرشيف صحفي لا يشمل أعمال الصحفيين والمصورين والمستقلين إلا في حدود التنازل المكتوب والمحدد، وأن أي عائد من ترخيص يشمل مساهمات فردية يجب أن يخضع لقواعد شفافة للتوزيع أو التسوية، خصوصًا في العقود القديمة أو الغامضة.
إلى الحكومة والجهات التنظيمية:
- عدم إسناد تنظيم المسألة إلى آليات حجب أو ترخيص محتوى. المطلوب هو إطار للشفافية والتعاقد والحقوق، لا رقابة على النشر. كما ينبغي دعم بناء قدرات المؤسسات الصغيرة على استخدام إشارات الاعتراض التقنية وفهم عقود الذكاء الاصطناعي.
إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام:
- إصدار إرشادات غير رقابية بشأن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، ومعايير الإفصاح عن المحتوى المولد، وحماية المصادر عند استخدام أدوات خارجية. ويجب أن تتجنب هذه الإرشادات أي توسيع لسلطات الحجب أو الجزاءات على المحتوى.
إلى نقابة الصحفيين:
-إعداد نماذج بنود تعاقدية حول استخدامات الذكاء الاصطناعي، تشمل حق الصحفي في الإخطار، ورفض استخدام اسمه أو أسلوبه في التوليد، والمطالبة بنصيب عادل من صفقات الترخيص التي تشمل أعماله. كما ينبغي إنشاء وحدة دعم قانوني للمستقلين والمصورين في نزاعات الترخيص الرقمي.
- فتح سجل اختياري غير مركزي للنزاعات والممارسات التعاقدية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، لا لتسجيل الأعمال أو اشتراط الحماية، بل لجمع أنماط المشكلات: عقود غامضة، ترخيص دون إخطار، استخدام أسماء صحفيين، أو رفض منح نصيب من عوائد الأرشيف. ويمكن أن يدعم هذا السجل مواقف تفاوضية وتشريعية لاحقة دون تعريض الأعمال أو المصادر للانكشاف.
إلى المؤسسات الصحفية:
-مراجعة أرشيفات الحقوق قبل توقيع أي صفقة ترخيص، وتصنيف الأعمال بحسب وضعها التعاقدي، واستبعاد المواد غير المنشورة أو السرية أو التي تتضمن مصادر حساسة، ونشر سياسة داخلية توضح للعاملين كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بأمان.
- إنشاء لجنة داخلية صغيرة تضم التحرير، والشؤون القانونية، وأمن المعلومات، وممثلين عن الصحفيين عند التفاوض على صفقات الذكاء الاصطناعي. وظيفة هذه اللجنة ليست تعطيل التعاقد، بل التأكد من أن المؤسسة لا ترخص ما لا تملكه، ولا تكشف مواد حساسة، ولا تقبل شروطًا تمنعها من إخطار أصحاب المساهمات أو من نشر حد أدنى من الشفافية.
خاتمة
لا يملك طرف واحد “الخبر” بعد نشره بمعنى مطلق. فالواقعة العامة ليست ملكًا لأحد، وحق الجمهور في المعرفة لا يجوز تقييده، لكن النص الصحفي والصورة والتحقيق وقاعدة البيانات هي أيضًا أعمال مهنية لها أصحاب وحقوق وكلفة. التحدي هو بناء نظام يميز بين تداول المعرفة واستغلال العمل الصحفي تجاريًا على نطاق واسع، وبين الإحالة إلى المصدر واستبداله، وبين حق المؤسسة في الاستدامة وحق الصحفي في ألا تختفي مساهمته داخل صفقة لا يعرفها.
تحتاج مصر إلى إطار متوازن قبل أن تستقر الممارسات على أمر واقع يصعب تغييره. فإذا اقتصر تنظيم هذا المجال على اتفاقات غير معلنة بين الأطراف الأكثر قدرة على التفاوض، ستخسر الصحافة الصغيرة والصحفيون المستقلون. وإذا عولجت المسألة بأدوات رقابية، سيخسر الجمهور وحرية الصحافة. الطريق الأجدى هو شفافية قابلة للإنفاذ، وتعاقد عادل، وضمانات للصحفيين، وحماية صارمة للمصادر، واستثناءات واضحة للبحث والاقتباس والمصلحة العامة. بهذا المعنى، لا تكون السياسة المقترحة دفاعًا عن الماضي ضد التكنولوجيا، بل محاولة لإعادة توزيع القيمة والمسؤولية بحيث يخدم الذكاء الاصطناعي المجال العام بدل أن يستهلك موارده.
المراجع
[1] قانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002، معدل حتى القانون رقم 178 لسنة 2020
[2] قانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
[3] قانون حماية البيانات الشخصية ١٥١ لسنة ٢٠٢٠
[4] European Parliament and Council, Directive (EU) 2019/790 on copyright and related rights in the Digital Single Market, EUR-Lex, https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/HTML/?uri=CELEX:32019L0790
[5] European Parliament and Council, Regulation (EU) 2024/1689 laying down harmonised rules on artificial intelligence, EUR-Lex, https://eur-lex.europa.eu/eli/reg/2024/1689/oj/eng
[6] UK Government, Report on Copyright and Artificial Intelligence, March 2026, https://www.gov.uk/government/publications/report-and-impact-assessment-on-copyright-and-artificial-intelligence/report-on-copyright-and-artificial-intelligence
[7] U.S. Copyright Office, Copyright and Artificial Intelligence, Part 3: Generative AI Training, Pre-publication Version, 2025, https://www.copyright.gov/ai/Copyright-and-Artificial-Intelligence-Part-3-Generative-AI-Training-Report-Pre-Publication-Version.pdf
[8] Pew Research Center, Do people click on links in Google AI summaries?, 22 July 2025, https://www.pewresearch.org/short-reads/2025/07/22/google-users-are-less-likely-to-click-on-links-when-an-ai-summary-appears-in-the-results
[9] Reuters Institute for the Study of Journalism, Journalism, media, and technology trends and predictions 2026,https://reutersinstitute.politics.ox.ac.uk/journalism-media-and-technology-trends-and-predictions-2026
[10] Associated Press, AP, OpenAI agree to share select news content and technology in new collaboration, 13 July 2023, https://www.ap.org/media-center/press-releases/2023/ap-open-ai-agree-to-share-select-news-content-and-technology-in-new-collaboration
[11] News Corp, News Corp and OpenAI Sign Landmark Multi-Year Global Partnership, 22 May 2024, https://investors.newscorp.com/news-releases/news-release-details/news-corp-and-openai-sign-landmark-multi-year-global-partnership
[12] United States District Court, District of Delaware, Thomson Reuters Enterprise Centre GmbH v. ROSS Intelligence Inc., opinion, 11 February 2025, https://www.ded.uscourts.gov/sites/ded/files/opinions/20-613_5.pdf
[13] United States District Court, Northern District of California, Bartz v. Anthropic, Order on summary judgment, 2025, https://copyrightalliance.org/wp-content/uploads/2025/06/Bartz-v.-Anthropic-Order.pdf
[14] Courts and Tribunals Judiciary, Getty Images v Stability AI, [2025] EWHC 2863 (Ch), 4 November 2025, https://www.judiciary.uk/judgments/getty-images-v-stability-ai
[15] Justia, The New York Times Company v. Microsoft Corporation et al., order on motions to dismiss, 2025, https://law.justia.com/cases/federal/district-courts/new-york/nysdce/1:2023cv11195/612697/514/
[16] Reuters Institute for the Study of Journalism, Overview and key findings of the 2026 Digital News Report, June 2026, https://reutersinstitute.politics.ox.ac.uk/digital-news-report/2026/dnr-executive-summary
[17] Associated Press, AP adds OpenAI as elections customer, 27 May 2026, https://www.ap.org/media-center/press-releases/2026/ap-adds-openai-as-elections-customer/
المركز الاقليمى للحقوق و الحريات هى مؤسسة قانونية مصرية تأسست وفقا للاحكام القانون فى يناير 2016 على يد مجموعة من نشطاء حقوق الانسان الشباب حيث تضم مجموعة من المحامين و الباحثين و يعملون من اجل الدفاع عن حقوق الانسان فى مصر و الاقليم و الذين يتخذون من مبادئ حقوق الانسان مرجعا و من العمل السلمى منهجا لضمان حرية الفرد و كرامته . يسعى المركز للوصول إلى مجتمع منفتح وعادل يتيح حرية البحث عن المعلومات وخلق الأفكار وتلقيها والتعبير عنها وتبادلها مع الآخرين دون خوف أو تدخل ظالم من الدولة وذلك بتمكين أفراد المجتمع ومساعدتهم في الحصول على حقوقهم والتمتع بحرياتهم بتمثيل احتياجاتهم أمام الجهات المسؤولة والتأكيد على ضرورة الالتزام بحقوق الانسان وسيادة القانون.
روابط سريعة
ابق على اطلاع!